كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت عن تفاصيل جديدة لعملية اغتيال العميد محمد سليمان، المستشار الأول للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، التي نفذتها قوة كوماندوز إسرائيلية في الأول من أغسطس/آب 2008.
وقال أولمرت إن القوة تسللت عبر شواطئ مدينة طرطوس الساحلية السورية، واغتالت سليمان برصاص قناصة أثناء تناوله العشاء في منزله الصيفي المطل على البحر.
تنفيذ العملية تحت جنح الظلام
أُصيب سليمان برصاصات في الرأس والرقبة، ليفارق الحياة بعد وقت قصير. ورغم توجيه أصابع الاتهام نحو إسرائيل على نطاق واسع، لم تتبنَّ تل أبيب العملية رسمياً قط.
وكتب أولمرت: “في اليوم الذي تمت فيه تصفية سليمان، خرج مقاتلونا من الماء.. كانوا قناصة متمرسين”.
وبحسب روايته، كان سليمان وضيوفه يجلسون في شرفة المنزل عندما اقترب أفراد الكوماندوز الإسرائيلي تحت جنح الظلام، متخذين مواقعهم على بُعد نحو 150 متراً (490 قدماً) على جوانب متقابلة من الشرفة.
وأضاف: “لقد حددوا هويته بيقين تام.. ورغم وجود عدد لا بأس به من الأشخاص على الشاطئ، لم يلاحظهم أحد”.
وتابع أولمرت أنه فور إعطاء الأوامر، أطلق الكوماندوز ثلاث رصاصات باتجاه سليمان، أصابته في مؤخرة عنقه. وأردف: “هوى رأسه إلى الخلف.. وعقب ذلك مباشرة، انسحب المقاتلون عائدين نحو المياه، ليشقوا طريقهم إلى القارب الذي كان بانتظارهم”.
المحرك الرئيسي للمفاعل النووي
وصف أولمرت سليمان بأنه “القوة المحركة” وراء المفاعل النووي السوري السري في دير الزور، والذي دمرته إسرائيل في غارة جوية في سبتمبر/أيلول 2007، عُرفت إسرائيلياً باسم “عملية خارج الصندوق”.
ولم تعترف إسرائيل علناً بمسؤوليتها عن تدمير المفاعل إلا في عام 2018.
ووصف أولمرت سليمان بأنه “كاتم الأسرار الأقرب والصديق الحميم” للأسد، وهو ضابط عسكري سوري سابق ينتمي، كالأسد، إلى الأقلية العلوية.
وأشار إلى أن سليمان كان يحظى بمكتب في القصر الرئاسي مجاور لمكتب الأسد، مضيفاً: “على عكس الآخرين، كان يعرف كل شيء”.
ووفقاً لأولمرت، لم يكن وزير الدفاع السوري ورئيس الأركان على دراية بوجود المفاعل النووي، في حين كان سليمان المحرك الرئيسي للمشروع.
وأوضح أن سليمان أدار الصفقة الحساسة والمعقدة مع كوريا الشمالية، وقاد جهوداً متقنة لإخفاء وجود المفاعل لسنوات.
وكتب أولمرت: “تولى سليمان مسؤولية العملية اللوجستية بأكملها المحيطة ببناء المفاعل.. فقد أشرف على دخول المواد، وتأكد شخصياً من عدم الكشف عن طبيعتها والغاية منها.. لقد كانت بصمته حاضرة في كل التفاصيل”.
وأضاف أنه قبل شهر واحد من الغارة الإسرائيلية على المفاعل، أهدى الأسد سليمان سيارة “مرسيدس” جديدة تقديراً لجهوده في المشروع.
صمت سوري واتهامات لحزب الله
التزمت الحكومة السورية بصمت شبه تام علناً عقب مقتل سليمان. وكان الأمين العام السابق لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، من بين الشخصيات القيادية القليلة التي تطرقت صراحة إلى عملية الاغتيال.
إذ صرح بعد بضعة أشهر بمسؤولية إسرائيل عن العملية، رابطاً إياها بالدور الذي لعبه سليمان في “حرب لبنان الثانية” عام 2006 بين إسرائيل والجماعة اللبنانية المدعومة من إيران.
وتلقت الصحافة السورية تعليمات بعدم تغطية خبر مقتل سليمان، كما أن التقارير الأولية لم تكشف عن هوية الضحية بوضوح.
وثائق استخباراتية تؤكد التورط الإسرائيلي
بعد مرور سنوات، ظهرت أدلة علنية تشير إلى تورط إسرائيل في العملية. ففي عام 2015، نشر موقع “ذا إنترسبت” (The Intercept) ما قال إنها وثائق استخباراتية أمريكية أصلية.
تفيد الوثائق بأن العملية نُفذت على يد “شايطيت 13″، وهي وحدة الكوماندوز البحري التابعة للنخبة في البحرية الإسرائيلية.
وتأسس موقع “ذا إنترسبت” جزئياً ليكون منصة للتقارير المستندة إلى الوثائق التي سربها المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية، إدوارد سنودن.
ووُصفت وثيقة الوكالة آنذاك بأنها أول تأكيد رسمي على أن اغتيال سليمان كان عملية إسرائيلية، مما دحض التكهنات التي رجحت اغتياله في إطار صراع داخلي على السلطة في سوريا.
برقيات دبلوماسية أمريكية
وفي عام 2010، ذكرت صحيفة “الغارديان” أن السلطات السورية تشتبه في ضلوع إسرائيل في عملية الاغتيال، رغم عدم توجيه دمشق أي اتهام رسمي لها.
واستند ذلك التقرير إلى برقية دبلوماسية أمريكية نشرها موقع “ويكيليكس” لاحقاً، كانت السفارة الأمريكية في دمشق قد أرسلتها إلى وزارة الخارجية الأمريكية بعد يومين من مقتل سليمان.
وجاء في البرقية: “ضربت الأجهزة الأمنية السورية طوقاً أمنياً سريعاً ونفذت عمليات تفتيش طالت كامل حي الشاطئ الذي شهد إطلاق النار”. وبحسب البرقية، برزت إسرائيل على الفور كالمشتبه به البديهي الأول.
وأشارت البرقية إلى أن مسؤولي الأمن السوريين كانوا يدركون تماماً أن مدينة طرطوس الساحلية على البحر المتوسط توفر للعملاء الإسرائيليين وصولاً أسهل مقارنة بالمناطق الداخلية كالعاصمة دمشق.
ولفتت البرقية إلى أن سليمان لم يكن شخصية عامة معروفة على نطاق واسع، وأن الاستخدام الواضح لسلاح القنص يشير إلى أن الجهة المنفذة تمتلك معلومات استخباراتية كافية لتحديد هويته من مسافة بعيدة.
في المقابل، كان المسؤولون الأمريكيون على دراية تامة بهويته وأهميته؛ إذ وصفته وثيقة سرية كُتبت قبل بضعة أشهر بأنه “مستشار خاص للرئيس السوري للأسلحة الاستراتيجية وصفقات التسليح”.
كما عرّفت تقارير إسرائيلية سليمان بأنه حلقة الوصل بين الأسد و”حزب الله”.
