تتجه العلاقات بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة إلى مرحلة أكثر اتساعاً وعمقاً، بعدما تحولت خلال العقود الماضية من علاقات دبلوماسية واقتصادية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع السياسة والدفاع والأمن والتسليح والتدريب والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والفضاء.
وفي وقت تبحث فيه فرنسا عن تعزيز حضورها الاستراتيجي في الخليج والشرق الأوسط، تواصل الإمارات توسيع شراكاتها الدولية في المجالات التي تدعم اقتصادها القائم على المعرفة والتكنولوجيا والانفتاح على الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة بين باريس وأبو ظبي واحدة من أكثر الشراكات الأوروبية-الخليجية تنظيماً واتساعاً.
وتستند هذه الشراكة إلى حوار استراتيجي تأسس عام 2012، قبل أن تعتمد الدولتان في يونيو/حزيران 2020 خريطة طريق للعقد 2020-2030 بهدف تطوير الشراكة في مجموعة واسعة من المجالات. وتؤكد وزارة الخارجية الفرنسية أن المشاورات بين البلدين تجري بصورة منتظمة وعلى أعلى المستويات.
حوار سياسي منتظم
يشكل الحوار السياسي إحدى الركائز الأساسية للعلاقة. ففي مايو/أيار 2026 عقدت الإمارات وفرنسا الدورة الثامنة عشرة من الحوار الاستراتيجي في أبوظبي، بمشاركة مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين، في إطار متابعة الأولويات المشتركة وتطوير التعاون الثنائي.
ولا يقتصر الحوار على الملفات الثنائية، بل يمتد إلى قضايا المنطقة والعالم، بما في ذلك أمن الخليج، والاستقرار الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والأزمات الدولية، والتنسيق في المحافل متعددة الأطراف.
وتمنح هذه الآلية العلاقة مستوى من الاستمرارية المؤسسية، إذ تتيح للجانبين مراجعة المشاريع القائمة وتحديد مجالات جديدة للتعاون، بدل أن تبقى الشراكة مرتبطة بالزيارات الرسمية أو الاتصالات السياسية الظرفية.
وتصف الإمارات علاقاتها مع فرنسا بأنها شراكة استراتيجية طويلة الأمد، فيما ترى باريس في أبوظبي شريكاً رئيسياً في الخليج، وهو ما يفسر اتساع جدول التعاون ليشمل السياسة والدفاع والطاقة والفضاء والتكنولوجيا والاقتصاد.

أمن الخليج
ويحتل الأمن والاستقرار الإقليميان موقعاً مهماً في الحسابات المشتركة. فالموقع الجغرافي للإمارات يجعلها نقطة ارتكاز مهمة بالنسبة إلى فرنسا في الخليج، بينما يمثل التعاون مع قوة أوروبية كبرى عنصراً مهماً في شبكة الشراكات الدولية للإمارات.
وتشير الخارجية الإماراتية إلى وجود تنسيق وثيق مع فرنسا بهدف خفض التوترات الإقليمية وتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط، إلى جانب التعاون في مكافحة الإرهاب.
وهذا التعاون السياسي والأمني يجد ترجمته العملية في المجال العسكري، حيث انتقلت العلاقة إلى مستوى أكثر عمقاً يقوم على الوجود العسكري والتدريب والمناورات والتسليح.
دفاع يتجاوز التسليح
التعاون العسكري بين البلدين لا يقتصر على صفقات الأسلحة، بل يشمل التدريب والمناورات والتنسيق بين القوات المسلحة وتبادل الخبرات.
وتصف وزارة الخارجية الإماراتية التعاون الدفاعي والأمني مع فرنسا بأنه واسع ومتعدد الأبعاد، فيما تشمل مجالاته التعاون العسكري والتدريب والتنسيق الأمني.
وفي مارس/آذار 2025، بحث الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان مع وزير القوات المسلحة الفرنسية آنذاك سيباستيان لوكورنو العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، مع تركيز خاص على التعاون في المجالات الدفاعية.
وتكتسب التدريبات المشتركة أهمية خاصة لأنها تعزز قدرة القوات على العمل المشترك، وتتيح تبادل الخبرات في العمليات الجوية والبحرية والبرية، إلى جانب رفع مستوى الجاهزية والتنسيق.
رافال.. شراكة صناعية
تُعد صفقة رافال إحدى أبرز محطات العلاقات الدفاعية الفرنسية-الإماراتية.
ففي ديسمبر/كانون الأول 2021 وقعت الإمارات عقداً لشراء 80 مقاتلة رافال F4 من شركة داسو للطيران، لتصبح الإمارات أول دولة خارج فرنسا تستخدم هذا الطراز.
وتتجاوز أهمية الصفقة عدد الطائرات؛ فالطائرات المقاتلة منظومة متكاملة تحتاج إلى التدريب والصيانة والدعم الفني وقطع الغيار والتحديثات على مدى سنوات طويلة.
ولهذا تعني صفقة الرافال بناء علاقة مؤسسية طويلة الأجل بين القوات المسلحة الإماراتية والصناعة الدفاعية الفرنسية.
وتشير وزارة الدفاع الفرنسية إلى أن العقد الإماراتي للـ80 رافال كان من العوامل الرئيسية وراء بلوغ صادرات الصناعات الدفاعية الفرنسية مستوى قياسياً، إذ وصلت طلبات الإمارات من الشركات الفرنسية إلى نحو 17 مليار يورو في 2022.
تدريب ومناورات
يشكل التدريب المشترك جانباً أساسياً من التعاون الدفاعي. فالقوات الفرنسية والإماراتية تنفذ تدريبات دورية تشمل مختلف أفرع القوات المسلحة، بما يتيح تبادل الخبرات وتطوير إجراءات العمل المشترك.
كما يتيح الوجود الفرنسي في الإمارات إجراء تدريبات أكثر انتظاماً، مستفيداً من القواعد والبنية العسكرية المتاحة في البلدين.
وبذلك، تتكامل ثلاثة عناصر في العلاقة الدفاعية: التسليح، والتدريب، والوجود العسكري، وهي عناصر تمنح الشراكة طابعاً طويل الأمد يتجاوز الصفقات المنفردة.
اقتصاد يتوسع
على المستوى الاقتصادي، تشهد العلاقات الثنائية نمواً واضحاً في التجارة والاستثمار.
وبحسب بيانات الإدارة العامة للخزانة الفرنسية، بلغ حجم التجارة بين البلدين 10.8 مليار يورو في 2025، مقابل 8.5 مليار يورو في 2024، بزيادة تقارب 27.7%.
وبلغت الصادرات الفرنسية إلى الإمارات نحو 9.7 مليار يورو في 2025، مقابل واردات فرنسية بنحو 1.2 مليار يورو. وتعد الإمارات بذلك أكبر عميل لفرنسا في منطقة الخليج.
وتغطي الصادرات الفرنسية مجموعة واسعة من القطاعات، من الطيران والفضاء إلى المنتجات الصناعية والسلع الفاخرة والمنتجات الكيميائية والخدمات.
الشركات الفرنسية في الإمارات
تجاوز الحضور الاقتصادي الفرنسي حدود التجارة ليصبح حضوراً مؤسسياً واسعاً داخل الاقتصاد الإماراتي.
وتضم الإمارات مئات الشركات الفرنسية العاملة في قطاعات الطيران والطاقة والنقل والخدمات المالية والضيافة والصناعة واللوجستيات والسلع الفاخرة والتكنولوجيا.
وتشير البيانات الفرنسية إلى وجود أكثر من 600 شركة فرنسية ونحو 30 ألف موظف ضمن الحضور الاقتصادي الفرنسي في الإمارات، وهو رقم يعكس أهمية السوق الإماراتية كمركز إقليمي للشركات الفرنسية.
ولا تنظر هذه الشركات إلى الإمارات باعتبارها سوقاً محلية فقط؛ فالموقع الاقتصادي واللوجستي للدولة يجعلها منصة مهمة لإدارة الأعمال والوصول إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.
الاستثمار.. مسار متبادل
يشكل الاستثمار أحد أهم مسارات المرحلة الجديدة من العلاقة.
وتعمل باريس وأبوظبي على تعزيز الاستثمارات المتبادلة وربط صناديق الاستثمار والشركات والمؤسسات المالية في البلدين.
وفي مايو/أيار 2025 استضاف أبوظبي لقاء France-UAE Investors Meetup بهدف تعزيز الروابط بين المستثمرين الإماراتيين والمنظومة الاستثمارية الفرنسية، في إطار توجه أوسع لتطوير الاستثمارات المشتركة.
وتتجه الاستثمارات بصورة متزايدة نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بما في ذلك التكنولوجيا والطاقة والصناعة والبنية التحتية والابتكار.
الذكاء الاصطناعي.. عنوان المرحلة الجديدة
إذا كان التعاون الدفاعي يمثل أحد الأعمدة التاريخية للعلاقة، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أبرز عناوين مستقبلها.
وفي فبراير/شباط 2025، وخلال زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى فرنسا، وقعت باريس وأبوظبي إطاراً للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، تضمن تطوير بنية تحتية واسعة للقطاع، تشمل مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية وتطوير المواهب والبحث والتطوير والبنية السحابية.
وتضمن الإعلان الأولي مشروعاً لإنشاء حرم للذكاء الاصطناعي في فرنسا بقدرة حوسبة تصل إلى 1 غيغاواط، في خطوة تعكس حجم الطموح الذي وضعه البلدان لهذا القطاع.
استثمار في البنية الرقمية
تحول التعاون في الذكاء الاصطناعي سريعاً من إعلان استراتيجي إلى مشاريع استثمارية محددة.
وخلال قمة Choose France 2025، أعلنت الحكومة الفرنسية عن مشروع حرم للذكاء الاصطناعي في منطقة باريس، بمشاركة جهات إماراتية وفرنسية ودولية، من بينها MGX وMistral AI وNVIDIA وBpifrance
وتبلغ قيمة المرحلة الأولى من المشروع 8.5 مليار يورو، مع استهداف بدء التشغيل في 2028 والوصول إلى قدرة تبلغ 1.4 غيغاواط بحلول 2030.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز إنشاء مركز بيانات؛ فالحوسبة عالية الأداء أصبحت عنصراً أساسياً في القدرة على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، فيما تحتاج مراكز البيانات العملاقة إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والشبكات والبنية الرقمية.
التكنولوجيا كجسر جديد
يعكس التعاون في الذكاء الاصطناعي تقاطعاً واضحاً بين نقاط القوة لدى البلدين.
ففرنسا تمتلك منظومة بحثية وصناعية وشركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب قاعدة صناعية قوية في قطاعات الطيران والطاقة والفضاء والاتصالات.
وفي المقابل، تتمتع الإمارات بقدرة استثمارية كبيرة وبنية تحتية رقمية متقدمة وطموح واضح لتكون مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
ومن هنا، لا يقتصر التعاون على تطوير التطبيقات، بل يمتد إلى الحوسبة ومراكز البيانات والرقائق والبنية السحابية والبحث والتطوير وتدريب الكفاءات.
وقد حدد الحوار الاستراتيجي الفرنسي-الإماراتي لعام 2025 الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أبرز مجالات التعاون المستقبلية، إلى جانب الاقتصاد والتعليم والثقافة والفضاء والطاقة النووية والصحة.
الطاقة والابتكار
يمتد التعاون الاقتصادي والتكنولوجي إلى الطاقة، حيث أطلق البلدان في 2022 شراكة استراتيجية شاملة في مجال الطاقة ركزت على أمن الطاقة والقدرة على تحمل تكلفتها وخفض الانبعاثات والعمل المناخي.
وتتصل هذه الشراكة بملفات الطاقة النووية السلمية والطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات منخفضة الكربون.
كما يدخل الفضاء ضمن أجندة التعاون، إلى جانب الصحة والتعليم والثقافة، بما يعكس انتقال العلاقة إلى قطاعات تقوم على المعرفة والبحث والابتكار.
شراكة للمستقبل
توضح مسارات التعاون السياسي والدفاعي والاقتصادي والتكنولوجي أن العلاقة الفرنسية-الإماراتية لم تعد تقوم على قطاع واحد أو صفقة واحدة.
فالسياسة توفر الإطار الاستراتيجي، والدفاع يوفر عنصر الثقة والجاهزية، والتجارة والاستثمار يوسّعان المصالح الاقتصادية، بينما يفتح الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والطاقة والفضاء مجالات جديدة للنمو.
وفي هذا السياق، تبدو الشراكة بين باريس وأبوظبي متجهة نحو نموذج أكثر تكاملاً: فرنسا تقدم قاعدة صناعية وتكنولوجية وبحثية متقدمة، والإمارات تضيف إليها رأس المال والاستثمار والبنية التحتية والطموح العالمي.
واللافت أن هذا التحول يجري ضمن إطار مؤسسي واضح؛ فمنذ الحوار الاستراتيجي الذي بدأ عام 2012، وصولاً إلى خريطة الطريق 2020-2030، ثم الدورة الثامنة عشرة للحوار في مايو/أيار 2026، حافظ البلدان على آلية منتظمة لتوسيع مجالات التعاون ومتابعة المشاريع المشتركة.
