خاص – 29Sec
دخلت العلاقات الاقتصادية بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة مرحلة جديدة خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من علاقة تقوم أساساً على التجارة والطاقة والطيران والدفاع إلى شراكة تستهدف قطاعات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد المستقبلي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة.
وتظهر الأرقام الرسمية أن هذا التحول لا يلغي العلاقة التجارية التقليدية، بل يبني عليها. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 10.8 مليار يورو في 2025، مقارنة بـ8.5 مليار يورو في 2024، بزيادة بلغت نحو 27.7%.
وبذلك أصبحت الإمارات أكبر عميل لفرنسا في منطقة الخليج، فيما سجل الميزان التجاري الفرنسي مع الإمارات فائضاً قدره نحو 8.5 مليار يورو في 2025.
تجارة في اتجاهين
تتسم التجارة بين البلدين بتفوق واضح للصادرات الفرنسية. فقد بلغت الصادرات الفرنسية إلى الإمارات نحو 9.7 مليار يورو في 2025، مقابل واردات فرنسية بلغت نحو 1.2 مليار يورو، وفق بيانات الإدارة العامة للخزانة الفرنسية.
وتتركز الصادرات الفرنسية في مجموعة واسعة من القطاعات، من بينها الطيران والفضاء، والسلع الصناعية، والمنتجات الكيميائية، والعطور ومستحضرات التجميل، إلى جانب المنتجات الفاخرة. وتكشف هذه التركيبة أن السوق الإماراتية بالنسبة إلى الشركات الفرنسية ليست مجرد سوق استهلاكية، وإنما منصة إقليمية للتوسع في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
وفي المقابل، تستورد فرنسا من الإمارات مجموعة من المنتجات، مع بقاء حجم الواردات أقل بكثير من الصادرات الفرنسية. وتشير البيانات الفرنسية إلى أن الإمارات لا تمثل في الوقت الراهن مصدراً رئيسياً لإمدادات الطاقة الفرنسية، رغم أهمية الدولة في أسواق الطاقة العالمية.
حضور فرنسي واسع
لا تقف العلاقة عند التجارة. فالإمارات تستضيف أكثر من 600 شركة فرنسية، يعمل لديها نحو 30 ألف موظف، وهو أكبر تجمع للشركات الفرنسية في منطقة الشرق الأوسط بحسب بيانات الإدارة العامة للخزانة الفرنسية.
وتنتشر هذه الشركات في قطاعات استراتيجية تشمل الطيران والفضاء، والطاقة، والنقل، والخدمات المالية، والتأمين، والضيافة، والصناعة، واللوجستيات، والسلع الفاخرة، إضافة إلى قطاعات الدفاع والتكنولوجيا. كما اختارت مجموعة من الشركات الفرنسية دبي وأبوظبي مقرين إقليميين لإدارة أعمالها في منطقة أوسع من السوق الإماراتية نفسها.
ويعكس هذا الانتشار طبيعة مختلفة للعلاقة الاقتصادية: فالإمارات لا تمثل فقط وجهة للصادرات الفرنسية، وإنما أصبحت مركزاً إقليمياً لعمليات الشركات الفرنسية.
الاستثمار الإماراتي
في الاتجاه المعاكس، تسعى فرنسا إلى جذب رؤوس الأموال الإماراتية إلى قطاعاتها الصناعية والتكنولوجية والاستراتيجية.
وقد أصبح الاستثمار جزءاً أساسياً من الأجندة الاقتصادية الثنائية، مع تركيز متزايد على رأس المال الاستثماري، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والطاقة، والصناعة.
وفي مايو/أيار 2025 استضاف مركز أبوظبي العالمي للسوق المالي النسخة الثالثة من France-UAE Investors Meetup، بهدف ربط المستثمرين الإماراتيين بصناديق الاستثمار الفرنسية. وتعتبر باريس هذه الآلية إحدى أدوات تعميق الاستثمارات المتبادلة بين البلدين.
لكن التحول الأكبر ظهر في فبراير/شباط 2025، عندما أعلنت فرنسا والإمارات إطاراً واسعاً للتعاون في الذكاء الاصطناعي تضمن طموحاً إماراتياً لاستثمار ما يصل إلى 50 مليار يورو في مشاريع مرتبطة بهذا القطاع في فرنسا، ضمن حزمة استثمارية قُدرت إجمالاً بين 30 و50 مليار يورو.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب الشراكة
يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم أبرز عنوان للتحول الاقتصادي في العلاقة الفرنسية-الإماراتية.
ففي 6 فبراير/شباط 2025، وقعت باريس وأبوظبي اتفاقاً إطارياً للتعاون في الذكاء الاصطناعي، ضمن زيارة الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى فرنسا.
وكان الهدف المعلن يتجاوز الاستثمار المالي المباشر؛ إذ اتفق الطرفان على تطوير منظومة متكاملة تشمل مراكز البيانات، والقدرات الحاسوبية، والبحث العلمي، وتطوير المواهب، والبنية التحتية السحابية.
وكان المشروع الأولي يتحدث عن إنشاء حرم للذكاء الاصطناعي في فرنسا بقدرة حوسبة تصل إلى 1 غيغاواط، في خطوة تعكس الرغبة الإماراتية في الاستثمار في البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، والرغبة الفرنسية في تحويل البلاد إلى مركز أوروبي رئيسي لهذه الصناعة.
من الإعلان إلى التنفيذ
شهد المشروع تطوراً مهماً في مايو/أيار 2025، عندما أعلنت الحكومة الفرنسية خلال قمة Choose France إطلاق مشروع أكثر تفصيلاً لحرم الذكاء الاصطناعي في منطقة باريس.
وتتولى شركة MGX الإماراتية دوراً محورياً في تمويل المشروع، فيما تشارك فيه شركات ومؤسسات فرنسية ودولية، بينها Mistral AI وNVIDIA Bpifrance
ووفق وزارة الخزانة الفرنسية، تبلغ قيمة المرحلة الأولى من المشروع 8.5 مليار يورو، على أن تبدأ عمليات التشغيل اعتباراً من 2028، مع استهداف قدرة تصل إلى 1.4 غيغاواط بحلول عام 2030.
ويشمل المشروع مراكز بيانات وحوسبة عالية الأداء، إلى جانب التدريب والبحث والتطوير، مع توجه نحو توفير بنية سحابية سيادية داخل أوروبا.
لماذا الذكاء الاصطناعي؟
تكشف هذه الشراكة عن مصالح استراتيجية متبادلة. فبالنسبة إلى الإمارات، لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على كونه قطاعاً اقتصادياً جديداً، بل يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لبناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا والمعرفة، وتنويع مصادر القوة الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط.
أما فرنسا، فتتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية مرتبطة بالقدرة الصناعية والسيادة الرقمية والأمن الاقتصادي. ولذلك تسعى إلى جذب الاستثمارات اللازمة لبناء مراكز البيانات وقدرات الحوسبة داخل الأراضي الفرنسية، وفي الوقت نفسه إلى تطوير شركاتها المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقد وصفت وزارة الخزانة الفرنسية مشروع الحرم بأنه جزء من جهود فرنسا لتعزيز موقعها في المنافسة العالمية على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وليس مجرد مشروع استثماري إماراتي في فرنسا.
التكنولوجيا والبنية التحتية
تكمن أهمية التعاون في أن الطرفين لا يركزان فقط على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل على البنية التحتية التي تجعل هذه التطبيقات ممكنة.
وهذا يعني الاستثمار في:
- مراكز البيانات.
- الحوسبة عالية الأداء.
- الرقائق والمعالجات.
- الخدمات السحابية.
- أمن البيانات.
- البحث والتطوير.
- تدريب الكفاءات.
- الشركات الناشئة.
وهنا تلتقي القدرات الفرنسية مع رأس المال والطموح الإماراتي. ففرنسا تمتلك منظومة بحثية وصناعية وشركات ناشئة متقدمة في الذكاء الاصطناعي، بينما تمتلك الإمارات قدرة كبيرة على تعبئة رأس المال والاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية عالمياً.
من الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد الجديد
ولا ينفصل الذكاء الاصطناعي عن بقية الملفات الاقتصادية. فقد وسعت فرنسا والإمارات التعاون ليشمل الطاقة والصناعة والنقل المستدام والفضاء والزراعة والصحة، وهي قطاعات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح فيها أداة إنتاجية واستثمارية أساسية.
وتشير الإدارة العامة للخزانة الفرنسية إلى أن عام 2025 شهد توسعاً في التعاون بين البلدين في الذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعة والفضاء والزراعة، إلى جانب استمرار الاستثمارات الإماراتية في فرنسا.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يُعامل باعتباره قطاعاً منفصلاً، بل باعتباره بنية تكنولوجية عابرة للقطاعات يمكن أن تدخل في الطاقة والصناعة والصحة والنقل والفضاء.
تكشف الأرقام والمشاريع المعلنة عن تحول جوهري في النموذج الاقتصادي للعلاقات الفرنسية-الإماراتية.
