حالة من الذعر غير المعلن تجتاح العواصم الأوروبية، مدفوعة بتطورات ميدانية خطيرة؛ حيث أجرت بيلاروسيا، الحليف العسكري الأوثق لروسيا، مناورات واسعة النطاق بالقرب من “ممر سوالكي”.
هذا الممر الاستراتيجي الضيق، الذي يربط دول البلطيق بباقي أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يُعد جغرافياً نقطة الضعف الأبرز للحلف، ومسرحاً محتملاً لشرارة قد تشعل القارة بأكملها.
لم تتأخر ارتدادات هذه المناورات في الظهور؛ ففي باريس، استدعى الرئيس إيمانويل ماكرون القادة السياسيين لحضور إحاطة استخباراتية سرية، معلناً عن حزمة تدابير طارئة لحماية البنية التحتية الحيوية من تصاعد الهجمات الروسية “الهجينة”.
وفي وارسو، أطلق رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك تحذيراً صريحاً من احتمال شن موسكو هجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة ضد دول الناتو، وتصويرها لاحقاً على أنها مجرد “حوادث عرضية”.
الاستنفار امتد إلى لندن، حيث طلبت الحكومة من مواطنيها صراحة البدء بالاستعداد لاحتمالات الحرب عبر تخزين مياه الشرب والأطعمة المعلبة، وسط تأكيدات من وزير الدفاع بأن بريطانيا تمر بالفترة “الأكثر خطورة” منذ عقود.
بالتوازي مع ذلك، تضع ألمانيا مستشفياتها في حالة تأهب للتعامل مع هجوم روسي محتمل، في حين حذر المستشار فريدريش ميرتز من مواجهة “لحظات حاسمة” للدفاع عن سلام القارة. وحتى سويسرا، المعقل التاريخي للحياد، تخلت عن تحفظها واعتمدت استراتيجية جديدة للأمن القومي لتعزيز مرونتها وقدرتها على صد أي هجوم مسلح.
التحركات الأمريكية: بين الرسائل السرية والالتزام المقلق
وعلى الضفة الأخرى، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجأة عن إحراز تقدم في المباحثات الرامية لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في بولندا.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسبوعين فقط من إرساله مدير وكالة الاستخبارات المركزية في مهمة سرية إلى موسكو، حذر خلالها الكرملين من مغبة المساس بأراضي دول التحالف.
رغم هذه التحركات التي سعى من خلالها ترامب لتعزيز قوة الناتو، إلا أن حالة من عدم اليقين تكتنف مدى التزامه الفعلي ببند الدفاع المشترك.
وتدرك موسكو جيداً حجم التحديات التي تقيد واشنطن، فالقوات الأمريكية مشتتة بين الوجود في أوروبا، ومواجهة إيران في الشرق الأوسط، وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في ظل استنزاف متسارع لمخزونات الذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي.
هذا التشتت يطرح تساؤلاً محورياً يضرب في صميم قوة الردع: هل يخاطر ترامب، أو أي رئيس أمريكي، بالتصعيد مع قوة نووية من أجل شريط حدودي صغير في البلطيق؟
“المنطقة الرمادية”.. استراتيجية التخريب والإنكار الروسية
لا يحتاج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشن غزو عسكري واسع النطاق لاختبار عزيمة الناتو، بل يعتمد على التصعيد التدريجي وأعمال “المنطقة الرمادية” التي تتيح له مساحة واسعة للإنكار. وقد تكشفت ملامح هذا التهديد بوضوح هذا الأسبوع، بعد أن وجه مدعون فيدراليون أمريكيون اتهامات لخمسة أشخاص يعملون لصالح المخابرات الروسية ضمن شبكة تخطط لاغتيالات وهجمات على بنى تحتية مدنية وعسكرية في أمريكا وأوروبا.
هذه المخططات تتسق مع نمط واسع من الحرب الهجينة التي يعاني منها الأوروبيون منذ سنوات، بدءاً من الهجمات السيبرانية وعمليات التخريب والحرق العمد، وصولاً إلى استهداف منشآت حيوية، كان آخرها اتهام ألمانيا لروسيا الشهر الماضي باستهداف مطار مدني بطائرة مسيّرة.
ويستغل بوتين حالة الغموض لاستكشاف خطوط الناتو الحمراء، مستفيداً من الانقسامات الداخلية داخل الحلف حول كيفية الرد، أو حتى جدوى الرد من الأساس.
معضلة “سوالكي” وانهيار أوهام ما بعد الحرب الباردة
يظل سيناريو “ممر سوالكي” -الممتد لـ 65 ميلاً بين بولندا وليتوانيا- الاختبار الأقسى للتحالف. فإذا أقدمت روسيا، بمساعدة بيلاروسيا، على تنفيذ توغل محدود في الممر متذرعة بعدم رغبتها في التصعيد، مع التلويح عبر قنوات غير رسمية بالخطر النووي، فإن الهدف لن يكون السيطرة على الأرض، بل تقويض أسس الناتو والتزاماته الدفاعية بالكامل.
ورغم تأكيد الأمين العام للناتو، مارك روته، بأن الحلف يتدرب بانتظام على هذا السيناريو وأن رده سيكون مدمراً، إلا أن الخلافات القائمة بين واشنطن وحلفائها تضعف من مصداقية هذا الردع أمام بوتين.
أمام هذا الواقع المعقد، استوعبت العواصم الأوروبية الدرس القاسي من صمود كييف؛ فالحرب الحديثة تتطلب ما هو أبعد من العتاد العسكري. إنها تستوجب شبكات كهرباء واتصالات محصنة، وقطاعات نقل فاعلة، ومجتمعات قادرة على استيعاب الصدمات دون الانهيار.
وبناءً عليه، أصدر الناتو تحديثات صارمة لمتطلبات “المرونة الوطنية”، وشرع في دراسة آليات الصمود الأوكرانية لتطبيقها في دول الحلف.
ولقد ولّت حقبة التساهل التي تلت الحرب الباردة، وأدركت أوروبا أن خفض الإنفاق العسكري والاعتماد المطلق على واشنطن كان خطأً فادحاً، وأن الاستعداد الجدي للحرب بات اليوم الوسيلة الوحيدة لإقناع موسكو بأن أي هجوم سيكون مصيره الفشل.
