خلف الباب الدوار لفندق “بيرا بالاس” في حي “بي أوغلو” المطل على القرن الذهبي، يمشي الزائر على خطى جواسيس وملوك ونجوم سينما، في مبنى كلاسيكي جديد من ست طبقات صممه المهندس المعماري ألكسندر فالوري وافتتح رسمياً عام 1895.
وكان الفندق أول مبنى في إسطنبول يوفر الكهرباء والمياه الساخنة خارج القصور العثمانية، واحتوى على ثاني مصعد كهربائي في أوروبا بعد مصعد برج إيفل. وتقول إزغي بيك، منسقة التسويق في الفندق، أثناء الصعود بالمصعد الخشبي الداكن: “استخدم هذا المصعد مؤسس جمهوريتنا مصطفى كمال، وأغاثا كريستي، وألفريد هيتشكوك”.
وتصطف في الجهة الخلفية منه أريكة مخملية حمراء، حتى لا يضطر كبار الشخصيات إلى الوقوف ولو لدقيقة واحدة.
غرف بأسماء نزلائها المشاهير
ويحتفظ الفندق بغرف تحمل أسماء أشهر نزلائه: غريتا غاربو وجاكلين كينيدي أوناسيس في غرف بستائر وردية، وأجنحة خاصة بالراقصة والجاسوسة ماتا هاري، والكاتبين إرنست همنغواي وبيير لوتي. ويتميز جناح ألفريد هيتشكوك بستائر وأغطية فضية، بينما تحتوي الغرفة 411 الخاصة بأغاثا كريستي على نسخة مطابقة لآلتها الكاتبة.
ويُشاع أن الكاتبة البريطانية ألّفت روايتها “جريمة في قطار الشرق السريع” الصادرة عام 1934 خلال إقامتها هنا. وفي غضون 40 عاماً فقط من افتتاحه، شهد الفندق حكم ثلاثة سلاطين عثمانيين وسقوط الإمبراطورية العثمانية وقيام الجمهورية التركية.
وخلال احتلال الحلفاء لإسطنبول بين 1918 و1923، استخدمت قواتهم الفندق كمقر غير رسمي، بينما امتلأت غرفه بالمهاجرين الروس الفارين من ثورة 1917 وهم يبيعون مقتنيات عائلاتهم الثمينة للبقاء على قيد الحياة.

“أوروبا الصغيرة” حيث تآمر الجواسيس واحتسى الفنانون الشاي
وكانت المنطقة التي يقع فيها الفندق تُعرف باسم “بيرا”، وهي كلمة يونانية تعني “هناك في الجهة المقابلة”، إذ كانت تقع على الضفة الأخرى من القرن الذهبي مقابل المركز الإسلامي للإمبراطورية العثمانية.
وأكسبها مزيجها المتنوع لقب “أوروبا الصغيرة” وسمعة مرتبطة بالحفلات والانفتاح، بينما كانت السياسة عنصراً ثالثاً لا يفارقها.
وكتب تشارلز كينغ في كتابه “Midnight at the Pera Palace” أنه بحلول مطلع القرن العشرين، كان عدد المخبرين كبيراً إلى درجة أن لافتة داخل الفندق “كانت تطلب من عملاء الحكومة إفساح المقاعد في الصالة للضيوف الذين يدفعون المال”.
وقد ألهم هذا الإرث الفريد مسلسلاً درامياً من إنتاج “Netflix” يحمل اسم الفندق ويتناول السفر عبر الزمن.
القفزة الزمنية الكبرى
في ليلة 31 ديسمبر 1925، شهدت قاعة “غراند بيرا” حدثاً لا يتكرر، حين فتحت زجاجات الشمبانيا لتوديع العام 1341 وفق التقويم الرومي، واستقبلت فجأة العام 1926 وفق التقويم الغريغوري. في تلك الليلة، ألغت تركيا رسمياً تقويماً استخدمته لقرون، وقفزت زمنياً 585 عاماً كاملة بين ليلة وضحاها.
وقبل أن تعتمد السعودية التقويم الغريغوري عام 2016، كانت تركيا آخر دولة في العالم تقوم بهذا التحول. واليوم، يُعرف “بيرا بالاس” نفسه بأنه “فندق-متحف”، وهو معلم تاريخي مسجل في تركيا، خضع لعمليتي ترميم دقيقتين عامي 2010 و2014.

وما أن يتجاوز الزائر رجال الأمن بالزي الرسمي ويدخل من الباب الدوار، حتى يجد نفسه داخل كبسولة زمنية فاخرة تجمع “Art Nouveau” بلمسات عثمانية، حيث الجدران الرخامية والمفروشات المخملية الحمراء والثريات الكريستالية.
ويتنقل معظم الضيوف الحاليين، ومعظمهم من الأمريكيين والأوروبيين الأكبر سناً، بين محل الحلويات والردهة و”بار أوريانت”.
وكان الفندق قد شيد عام 1892 لاستقبال المسافرين الآتين إلى إسطنبول على متن قطار “Orient Express” الشهير، الذي ربط باريس بإسطنبول في أقل من 76 ساعة.
وشكل السفر بالقطارات في القرن التاسع عشر عاملاً محفزاً لاعتماد التوقيت الموحد عالمياً، بعد أن أطلقت شركة “Great Western Railway” في إنجلترا أول نظام توقيت موحد في نوفمبر 1840.
وتصطف في ممرات الفندق عروض من ماضيه الغني، بما في ذلك “محفة” كانت تنقل الضيوف الأثرياء مباشرة من القطار إلى الفندق. ولا تزال إثيوبيا ونيبال وإيران وأفغانستان بين الدول التي لا تستخدم التقويم الغريغوري كتقويم مدني.
