كشفت تحقيقات صحفية نشرها موقع “netzpolitik.org” بالتعاون مع هيئة الإذاعة البافارية (BR) عن تسريب أكثر من مليون نقطة بيانات لتحديد المواقع الجغرافية للهواتف المحمولة داخل كنائس ومساجد وكُنس يهودية في ألمانيا.
وتبين أن هذه البيانات، التي يتاجر بها سماسرة البيانات علناً بحجة الاستخدام الإعلاني، ترسم مسارات دقيقة لحركة المصلين تصل دقتها إلى بضعة أمتار، مما يضع خصوصية الملايين تحت التهديد ويكشف تفاصيل حياتهم اليومية لجهات مجهولة.
انكشاف أمني للمواقع الإسلامية واليهودية
وطال الاختراق الرقمي مرافق دينية تخضع لتدابير أمنية مشددة، حيث أظهرت السجلات مسارات مفصلة لزوار كنيس مدينة “هاله”، الذي تعرض لهجوم يميني متطرف عام 2019، وتتبعت تحركات رواد “الكنيس الجديد” الخاضع لحماية الشرطة في برلين، ومركز الجالية الإسرائيلية في ميونيخ، فضلاً عن تسريب بيانات تخص ثلاث مدارس يهودية.
وانسحب الانكشاف الأمني على مساجد تعرضت لاعتداءات سابقة، أبرزها مسجد “شهيتليك” في برلين الذي استهدف بحوادث حرق متعمد، ومسجد الاتحاد الإسلامي التركي (DITIB) في دريسدن الذي هوجم بقنابل أنبوبية عام 2016، إلى جانب المسجد المركزي في كولونيا.
مراقبة تشمل المؤسسات والمرافق الحساسة
وتجاوزت عمليات التتبع الأفراد لتشمل مقرات الهيئات الكبرى، مثل الإدارة المركزية للكنيسة الإنجيلية (EKD) في هانوفر ومؤتمر الأساقفة الألمان في بون، حيث باتت حركة موظفيها مكشوفة بالكامل.
وأبرزت البيانات قدرة تقنيات التتبع التجاري على فضح أسرار بالغة الخصوصية، كحالة مريض يتردد على وحدة الاضطرابات الوجدانية ثنائية القطب في مستشفى “القديس يوسف” الكاثوليكي للطب النفسي ببرلين، وحالة أخرى لشخص يتردد على كنيستي “القديس نيكولاي” و”القديس ميخائيل” في غوتينغن، حيث أتاح مسار تحركاته المدمج مع بيانات دليل الهاتف كشف هويته ومقر سكنه بدقة تامة.
تحذيرات رسمية من استغلال المتطرفين
وأقر المكتب الاتحادي لحماية الدستور (المخابرات الداخلية الألمانية) بأن تداول هذه البيانات يرفع مخاطر تعرض الفئات المهددة للتجسس أو الهجمات الجسدية.
وحذرت أونا تيتز، الباحثة في مؤسسة “أماديو أنطونيو”، من أن هذه التفاصيل تمنح المتطرفين أدوات مجانية لاستطلاع الأهداف وتنفيذ هجمات الترهيب وكشف الهويات (Doxing).
ووصف بيتر دابروك، الرئيس السابق لمجلس الأخلاقيات الألماني، مستوى المراقبة بـ “الصادم”، مؤكداً أن كشف المعتقدات الدينية يخلق بيئة خصبة للتمييز. بدورها، طالبت منظمات دينية، أبرزها مؤتمر الأساقفة الألمان واتحاد الشباب الكاثوليكي، بحظر هذا النوع من التجارة الرقمية.
قصور قانوني وتوجه حكومي نحو الاستغلال
وأكدت الخبيرة لويزا شبيخت-ريمنشنايدر أن تجارة المواقع تنتهك اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي، نظراً لغياب الموافقة المبنية على المعرفة الدقيقة بتدفق البيانات لمئات الجهات.
وفي ظل هذه الفجوة التنظيمية، برز توجه لدى الأجهزة الأمنية الأوروبية لاستغلال هذه التجارة بدلاً من إيقافها؛ حيث اشترت حكومات كالمجر والنمسا، ومكتب الشرطة الجنائية في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن الألمانية، أدوات مراقبة تعتمد على تقنيات الاستخبارات القائمة على الإعلانات (ADINT)، بينما رفضت تسع ولايات ألمانية أخرى الإفصاح عن ممارساتها.
ودعا خبراء تقنيون مستخدمي الهواتف الذكية إلى مراجعة أذونات الموقع، وإيقاف معرّفات الإعلانات أو إعادة تعيينها، وحذف التطبيقات غير الضرورية كخطوة استباقية للحد من هذا التتبع، بانتظار تحرك حاسم من هيئات حماية البيانات.
