أطلق الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين الناصر، تحذيرات صريحة إزاء تراجع مخزونات النفط العالمية إلى مستويات وصفها بـ”المقلقة للغاية” على خلفية الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاءت تصريحات الناصر خلال مشاركته في منتدى “إنرجي إنتليجنس” بالعاصمة البريطانية لندن، الإثنين، حيث أوضح أن المنظومة النفطية تواجه ضغوطاً غير مسبوقة تترك العالم أمام هامش أمان ضئيل لضمان استقرار الإمدادات، نظراً لمحدودية الخيارات البديلة.
وكشف أن الاعتماد على الأرقام الإجمالية للاحتياطيات التي تعلنها الدول يُعد أمراً مضللاً، إذ لا يتجاوز المتاح الفعلي منها حاجز الـ 10 في المائة، بينما يمثل الجزء الأكبر الحد الأدنى الضروري لاستمرار تشغيل البنية التحتية بصورة طبيعية.
ويفسر هذا الواقع، بحسب الناصر، الصعوبة البالغة التي واجهتها دول مجموعة السبع مؤخراً لتأمين 100 مليون برميل؛ وهو الحجم الذي اتفقت قيادات المجموعة، الجمعة، على ضخه من مخزونات الطوارئ للديزل والنفط الخام في الأسواق خلال الأشهر الأربعة المقبلة لكبح الأسعار وتهدئة المخاوف.
واعتبر الناصر أن هذا الإجراء الإسعافي قد يخفف وطأة أزمة الطاقة لتجاوز فصل شتاء واحد، لكنه يعجز عن تقديم حل دائم لاختلالات العرض والطلب.
مرونة الإمدادات وبدائل التصدير
وأبدت شركة “أرامكو” قدرة فائقة على الصمود في وجه الصدمات المستمرة، حيث طمأن الناصر الأسواق بثقته في تلبية كافة متطلبات العملاء.
وتستند هذه المرونة إلى الاعتماد على مرافق التخزين الدولية وسرعة إصلاح البنية التحتية المتضررة جراء الهجمات التي يشنها الحوثيون في اليمن، والتي تصاعدت منذ استئناف المواجهات مع التحالف العسكري بقيادة السعودية.
وأكد الناصر أن أرامكو تتعلم من كل هجوم، وتمتلك فرقاً متخصصة قادرة على التعامل مع عشر هجمات متزامنة بكفاءة عالية.
ولتجاوز مخاطر الاعتماد على مسار منفرد للوصول إلى المشترين العالميين، تبحث الشركة حالياً عن مسارات تصدير بديلة ومرافق تخزين إضافية في الخارج.
تداعيات مضيق هرمز واستنزاف هامش الأمان
تشير الأرقام إلى أن العالم دخل هذه الأزمة بمخزونات تقارب 10 مليارات برميل، تراجعت حالياً إلى أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية المتبقية، مع عدم توافر غالبيتها العظمى للاستخدام الفعلي.
وأوضح الناصر أن السوق فقدت نحو 3 مليارات برميل من الإمدادات الإجمالية، وهو ما يوازي تقريباً نصف حجم تدفقات الخام والمنتجات المعتادة عبر مضيق هرمز.
وقد أدى تعويض أكثر من مليار برميل من هذه الإمدادات المفقودة عبر السحب من المخزونات التجارية البرية – التي تُعد آخر أداة رئيسية متاحة – إلى استنزاف خطير لهامش الأمان.
ونبّه الناصر إلى أن الضغوط ستتفاقم بشدة على أسواق النفط والوقود المكرر، الذي شهد قفزات سعرية أشد حدة من الخام، ما لم يُعَد فتح مضيق هرمز بالكامل وتسترد الأسواق ثقتها، لافتاً إلى أن عملية إعادة بناء المخزونات وتلبية الطلب العالمي قد تستغرق ما يصل إلى عامين.
قفزة أجور الشحن وفجوة الأسعار
وشهدت حركة عبور النفط عبر مضيق هرمز تعافياً ملحوظاً يقترب من مستويات ما قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، إلا أن الأسعار لم تستجب لهذه الوفرة. أظهرت بيانات شركة “كبلر” بلوغ متوسط التدفقات في سبتمبر (أيلول) نحو 16.5 مليون برميل يومياً، أي 80 في المائة من المستويات السابقة.
ودعمت بيانات “رويترز” اتساع رقعة التعافي بتسجيل صادرات الشرق الأوسط من الخام 18.5 مليون برميل يومياً في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، متجاوزة مستوى ما قبل الحرب البالغ 18 مليوناً. وعند إدراج المنتجات النفطية والمواد الكيميائية وسوائل الغاز، يصل الإجمالي الأسبوعي إلى 22.4 مليون برميل يومياً.
ورغم تقلص عجز الإمدادات إلى 1.6 مليون برميل يومياً، هبوطاً من ذروة بلغت 4 ملايين برميل في مايو (أيار) وفق تقديرات “إنرجي أسبكتس”، ظل خام برنت متماسكاً فوق حاجز 100 دولار، بزيادة تفوق 40 في المائة عن مستوياته قبل الصراع.
يعود هذا التباين إلى التحول الجذري في خارطة الشحن؛ حيث دفعت المخاطر الأمنية المستمرة بين واشنطن وطهران السفن لاتخاذ مسارات بديلة أكثر تعقيداً واختناقاً. ولم يُلغِ تعافي الإمدادات علاوة المخاطر، بل رفع تكلفة النقل والتأمين لتصبح عاملاً حاسماً يوازي حجم الإمدادات.
ووفقاً لـ “رويترز”، قفزت أجور ناقلات النفط العملاقة من 30 ألف دولار يومياً في يناير (كانون الثاني) إلى أكثر من 1.2 مليون دولار، لترتفع حصة الشحن إلى 27 في المائة من تكلفة البرميل المسلّم لآسيا، مقارنة بـ 3 في المائة قبل الأزمة.
بالتوازي، سجلت وكالة “أرغوس” قفزة قياسية في تكلفة النقل البحري من الخليج إلى شرق آسيا لتلامس 34 دولاراً للبرميل مقابل 3 دولارات سابقاً، مما يفرض على المستوردين أعباء باهظة تُضاف مباشرة إلى السعر النهائي للبرميل عند وصوله إلى المصافي، بغض النظر عن أسعار الخام لدى المُنْتِج.
