قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن الهجوم بطائرة مسيرة الذي استهدف محطة براكة النووية في الإمارات الشهر الماضي كان يمكن أن يتحول إلى كارثة أشد وطأة من الوضع في محطة زابوريجيا الأوكرانية، وذلك لأن مفاعلات براكة كانت في حالة تشغيل كامل وقت الاستهداف.
ووصف غروسي، في حديث لـ”يورونيوز” عقب زيارته للمحطة الواقعة غرب الدولة الخليجية، الهجوم بأنه “عمل خطير للغاية وغير مسؤول”، محذراً من أن استهداف البنى التحتية النووية المدنية ينطوي على مخاطر لا يمكن التهاون فيها.
وأضاف: “محطة الطاقة النووية، فضلاً عن كونها جزءاً حيوياً من البنية التحتية للطاقة، هي مكان توجد فيه آلاف الأطنان من المواد النووية، التي يمكن أن تؤدي إلى حادثة إشعاعية بعواقب بالغة الخطورة”.
المفاعل البارد والمفاعل المشتعل
وأوضح غروسي أن ما جرى في براكة يمكن مقارنته بالوضع في زابوريجيا، أكبر محطة نووية في أوروبا والخاضعة للسيطرة الروسية منذ مارس 2022، لكن مع فارق جوهري يرجح كفة الخطر في الحالة الإماراتية.
وقال: “رغم أنه وضع خطير جداً والوكالة تعمل هناك، فإن المفاعلات في ما نسميه حالة إيقاف بارد، أي أنها لا تعمل حالياً وليست قيد التشغيل. أما براكة فهي تعمل، وهذا ما يجعلها أكثر خطورة محتملة”.
ومنذ أواخر 2022، وُضعت المفاعلات الستة في زابوريجيا في حالة إيقاف بارد، وحذرت الوكالة مراراً من تآكل هوامش الأمان هناك، مؤكدة أن خطر وقوع حادث نووي، وإن لم يكن وشيكاً، لا يمكن استبعاده كلياً.
تصعيد يرقى إلى المحرم دولياً
وتضع هذه التصريحات الهجوم، الذي قالت السلطات الإماراتية إنه انطلق من العراق، في مصاف أبرز شواغل السلامة النووية التي تواجه المجتمع الدولي اليوم.
ووصف نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للرقابة النووية في الإمارات، حمد الكعبي، الحادث بأنه تصعيد خطير وانتهاك صريخ للقانون الدولي، قائلاً: “استهداف محطة للطاقة النووية يعد تصعيداً خطيراً، وهو أمر من المحرمات دولياً بسبب العواقب المحتملة المرتبطة باحتمال انبعاث إشعاعات تصيب الجمهور والبيئة”.
وأكد أن استهداف المنشآت النووية العاملة محظور بموجب القانون الدولي الإنساني وحزمة من الاتفاقيات الدولية المنظمة للسلامة والأمن النوويين، مضيفاً: “مجرد أن المحطة كانت هدفاً لهجوم أمر غير مقبول، وهو انتهاك واضح. خطير؟ نعم. تصعيد؟ نعم. ومحظور دولياً؟ نعم”.
استجابة فورية واحترافية
ورغم خطورة الهجوم، شدد المسؤولان على نجاعة أنظمة الاستجابة المطبقة في محطة براكة، حيث أشاد غروسي برد الفعل “السريع والمهني إلى حد كبير” من جانب المشغّل “إينك” والهيئة الرقابية الوطنية، اللذين فعّلا فوراً الإجراءات الخاصة واتخذا تدابير التخفيف اللازمة.
من جهته، قال الكعبي إن سنوات من الاستثمار في السلامة والتدريب وجهوزية الطوارئ ضمنت بقاء المحطة في وضع آمن طوال فترة الحادث، موضحاً: “لم يحدث أي تسرب إشعاعي، ولم يُسجل تعطل في أي من الأنظمة، والتزم الجميع بالبروتوكولات المعمول بها، وظلت المحطة آمنة للجمهور والعاملين”.
وأضاف أن هذه الاستجابة تعكس تعاوناً ممتداً مع شركاء دوليين وفي مقدمتهم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتبرز الأهمية القصوى للكوادر المدربة وإجراءات الطوارئ الراسخة.
دروس لصناعة الطاقة النووية
وبالنظر إلى المستقبل، رأى الكعبي أن الهجوم سيوفر دروساً بالغة الأهمية لقطاع الطاقة النووية برمته، قائلاً: “استهداف محطة للطاقة النووية لم يكن سيناريو يندرج ضمن قائمة السيناريوهات اليومية المحتملة للحوادث النووية، لكنه أصبح اليوم واقعاً”.
وفي سياق متصل، رحب غروسي بقرار الإمارات عرض المسألة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدلاً من الرد بتصعيد متبادل، معتبراً أن هذا “يعكس روح المسؤولية لدى قيادة البلاد”، كاشفاً أنه ناقش ذلك مع وزير الخارجية الإماراتي، ومشيداً بقرار اللجوء إلى المؤسسة الدولية المعنية بالسلامة النووية.
ومن المقرر أن يُناقش الحادث في جلسة خاصة لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا الجمعة المقبلة. وقال غروسي: “بعد زيارتي هنا، سأتوجه مباشرة إلى فيينا حيث سنجري هذا النقاش، لأن ما يحتاج إليه المجتمع الدولي هو نقاش مفتوح وكامل، مع كشف تام لما حدث”.
يُذكر أن محطة براكة، الواقعة على ساحل الخليج في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، هي أول محطة للطاقة النووية تدخل الخدمة في العالم العربي، ومن بين أكبر المحطات في العالم من حيث القدرة الإنتاجية.
