تحول مشروع جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب في ألبانيا من استثمار عقاري ضخم إلى قضية سياسية وبيئية مشتعلة، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية والتحقيقات الرسمية والاتهامات باستغلال النفوذ السياسي.
وتعود جذور القضية إلى خطط شركة “أفينيتي بارتنرز” التابعة لكوشنر لتطوير مشروعين سياحيين فاخرين: الأول بقيمة 1.4 مليار دولار في جزيرة سازان غير المأهولة بالبحر الأدرياتيكي، والثاني بقيمة 4.7 مليار دولار في منطقة زفرنتس الساحلية المحمية.
وقال كوشنر في تصريحات سابقة إن منتجع سازان سيكون “منتجعاً فاخراً للغاية”، مضيفاً أنه يسعى إلى إنشاء “المنتجع المثالي الذي أرغب في التواجد فيه مع عائلتي وأصدقائي”.
موافقة حكومية بعد فوز ترامب تثير تساؤلات
حصل مشروع جزيرة سازان على موافقة أولية من الحكومة الألبانية في ديسمبر 2024، بعد فترة وجيزة من إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومنحت السلطات الألبانية المشروع صفة “المستثمر الاستراتيجي” التي تتيح تسريع الإجراءات الإدارية والحصول على الموافقات الحكومية بوتيرة أسرع.
وأثار توقيت الموافقة تساؤلات لدى منتقدين يرون أن الحكومة الألبانية ربما تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الإدارة الأميركية الجديدة عبر دعم مشروع يرتبط مباشرة بعائلة ترامب. ورفض المسؤولون الألبان هذه الاتهامات، مؤكدين أن المشروع يخضع للقوانين والإجراءات المعمول بها.
41 منظمة بيئية تطالب بالتعليق الفوري
لم يقتصر الجدل على الجانب السياسي، فالمنطقتان المستهدفتان تقعان داخل مناطق ذات أهمية بيئية خاصة وتضمان أنواعاً متعددة من الحيوانات والنباتات.
وفي يناير الماضي، وجهت 41 منظمة بيئية رسالة إلى الحكومة الألبانية طالبت فيها بـ”التعليق الفوري لأي قرارات تدفع قدماً بأعمال البناء”، محذرة من تداعيات المشروع على النظم البيئية الحساسة.
ويؤكد المعارضون أن خطط التطوير “قد تؤثر على واحدة من آخر المناطق الساحلية غير المطورة في البحر الأدرياتيكي”، في حين يشدد المطورون على التزامهم بمعايير الاستدامة والحفاظ على البيئة.
حراس أمن يعتدون على محتجين والادعاء يفتح تحقيقاً
بدأت الاحتجاجات خلال الربيع بعد ظهور أسلاك شائكة ومؤشرات على بدء الأعمال التحضيرية. لكن التوتر تصاعد بعد انتشار مقاطع مصورة أظهرت حراس أمن وهم يبعدون متظاهرين بالقوة، مما أثار موجة غضب جديدة.
واتخذت السلطات إجراءات بحق شركات الأمن، حيث سحبت تراخيص شركتين وأوقفت أحد الحراس. وبالتوازي، فتح مكتب الادعاء المختص بمكافحة الفساد تحقيقاً بشأن تعديلات قانونية أقرتها الحكومة عام 2024 وسهلت تنفيذ مشاريع سياحية على أراض محمية بيئياً. ولا يستهدف التحقيق مشروع كوشنر بصورة مباشرة، بل يركز على التعديلات التشريعية التي مهدت الطريق.
إيفانكا تدافع وراما يتمسك: لا احتمال لتوقف المشروع
دافعت إيفانكا ترامب عن المشروع خلال إحدى المدونات الصوتية، قائلة إن الجزيرة أسرتها هي وزوجها منذ الزيارة الأولى، ووصفته بأنه يمثل خلاصة خبرتها الطويلة في قطاع العقارات ورؤيتها لطريقة الحياة التي ترغب في عيشها.
لكن تصريحاتها أثارت انتقادات وسخرية من معارضي ترامب الذين اعتبروها “تعكس انفصالاً عن الواقع”. في المقابل، تمسك رئيس الوزراء الألباني إيدي راما بالمشروع، مؤكداً أنه لا يرى “أي احتمال لتوقف المشروع ما دام في منصبه”، وشدد على أن ألبانيا يجب أن تبقى “بلداً مرحباً بالمستثمرين”.
تمويل خليجي وعلاقات سياسية وشبكة مستثمرين
يعتمد صندوق “أفينيتي بارتنرز” بصورة كبيرة على تمويل خارجي، إذ ذكرت تقارير سابقة أن الجزء الأكبر من أمواله يأتي من صناديق ثروة سيادية في السعودية وقطر والإمارات.
وكشف كوشنر أنه تعرف إلى فرص الاستثمار في ألبانيا عبر ريتشارد غرينيل، المبعوث الأميركي للمهام الخاصة. وارتبط المشروع أيضاً برجال الأعمال الألبانيين شفقيت كاستراتي ونجله موسى، فيما أشارت تقارير إلى مشاركة مستثمرين قطريين بينهم معتز الخياط ورامز الخياط.
وقال كوشنر إنه اكتشف جزيرة سازان خلال رحلة بحرية على متن يخت يملكه المستثمر البريطاني نات روتشيلد، لكنه أكد عدم مشاركة العائلة مباشرة في المشروع.
انسحاب سابق من صربيا ومستقبل غير محسوم
الجدل في ألبانيا ليس الأول لكوشنر، فقد انسحب في ديسمبر 2025 من مشروع عقاري في بلغراد بعد اتهام أربعة مسؤولين صرب بإساءة استخدام السلطة والتزوير.
وحتى الآن، لم تبدأ أعمال البناء الفعلية في أي من المشروعين الألبانيين، ولم تقدم الخطط النهائية رسمياً إلى الحكومة، وما زالت بعض التفاصيل قيد التفاوض.
وبموجب اتفاق المستثمر الاستراتيجي، لن تخضع شركة كوشنر للضرائب لمدة عشر سنوات خلال مرحلة الإنشاء. وتبقى الاحتجاجات والتحقيقات والانتقادات البيئية تجعل مستقبل المشروع أكثر تعقيداً مما كان عند الإعلان عنه.
وتقدر مجلة “فوربس” ثروة كوشنر بنحو مليار دولار، ما يجعله أحد أبرز المستثمرين الأميركيين الذين يخوضون رهانات عقارية وسياسية متشابكة خارج الولايات المتحدة.
وتقول الحكومة الألبانية إن المشروع متوافق مع القوانين البيئية، بينما يؤكد المطورون أن خططهم تركز على الإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية وخلق فرص عمل وتوفير قيمة اقتصادية طويلة الأمد للمجتمعات المحلية.
ولا يوجد جدول زمني معلن لإنجاز المنتجعين. كما أثار اعتماد الصندوق على استثمارات أجنبية نقاشاً أوسع في الولايات المتحدة بشأن حدود التداخل بين الأعمال الخاصة والعلاقات السياسية. وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه “أفينيتي بارتنرز” توسيع أعماله الدولية خلال ولاية ترامب الثانية، بما في ذلك مشاريع جرى الحديث عنها في مناطق أخرى من العالم.
