أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الجمعة، عن اكتشاف جزء من جبانة أثرية تعود إلى العصر اليوناني الروماني في تل كوم عزيزة بمحافظة البحيرة، في موقع يعد من أهم المواقع متعددة الفترات الزمنية في دلتا مصر.
ونجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في الكشف عن مجموعة متنوعة من أنماط الدفن، شملت حفراً بسيطة دُفن فيها الموتى مباشرة داخل طبقات الأرض، وأخرى ذات أطر خارجية من الطوب اللبن، إضافة إلى دفنات داخل توابيت جصية ملونة وتوابيت فخارية برميلية الشكل التي تعد من أكثر أنواع التوابيت شيوعاً خلال العصر البطلمي.
وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار هشام الليثي أن الدراسة الأولية للبقايا الآدمية كشفت عن “تنوع ملحوظ في طقوس وأساليب الدفن، سواء داخل المدافن الفردية أو الجماعية”.
وتباينت اتجاهات الدفن بين المحورين الشمالي-الجنوبي والشرقي-الغربي، كما تنوعت أوضاع الأيدي بين المضموم والمتقاطع فوق الحوض أو حول العنق، إضافة إلى الوضع الأوزيري المميز بتقاطع الذراعين على الصدر، والوضع المستقيم بمحاذاة الفخذين.
وأكد الليثي أن دراسة الطبقات الأثرية أظهرت أن الجبانة “أقيمت فوق مستويات استيطان أقدم”، حيث كشفت اللقى عن استيطان الموقع خلال فترات متعاقبة بدأت منذ الدولة القديمة مروراً بالدولة الحديثة والعصر المتأخر وصولاً إلى العصرين اليوناني والروماني.

أوانٍ وأفران وعظام حيوانات تروي الحياة اليومية للسكان
أشار رئيس قطاع الآثار المصرية محمد عبد البديع إلى العثور على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، بينها أوانٍ فخارية وحجرية استخدمت في الحياة اليومية، وقوالب لصناعة الخبز، وأدوات حجرية، إضافة إلى أفران وأواني تخزين.
كما كشفت الحفائر عن “كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات”، وهي مكتشفات تسهم في إلقاء الضوء على الأنشطة المعيشية والنظام الغذائي والعادات الاجتماعية لسكان الموقع عبر المراحل الزمنية المختلفة.
أوضح مدير عام منطقة آثار البحيرة ورئيس بعثة الحفائر خالد عبد الغني فرحات أن من أبرز الاكتشافات العثور على “مدافن كاملة لحيوان الخنزير البري داخل إحدى الطبقات الأثرية”، وهي ظاهرة نادرة في المواقع الجنائزية المصرية القديمة نظراً للارتباط الرمزي للخنزير بالمعبود ست في المعتقدات المصرية القديمة.
وأشار إلى أن ذلك “قد يشير إلى فكرة ارتباطه بنشاط اقتصادي أو معيشي داخل الموقع خلال إحدى فترات استخدامه”. وأكد فرحات أن نتائج الحفائر “تؤكد أن موقع تل كوم عزيزة يمثل نموذجاً فريداً للمواقع الأثرية متعددة الفترات”، حيث شهد أنشطة استيطانية ومعيشية منذ بدايات التاريخ المصري القديم قبل أن يتحول لاحقاً إلى منطقة ذات نشاط جنائزي مكثف.

سجل أثري متكامل يوثق تفاعل الإنسان مع بيئته
أكد وزير السياحة والآثار شريف فتحي أن هذا الكشف “يعكس الأهمية الكبيرة التي يتمتع بها موقع تل كوم عزيزة باعتباره أحد المواقع الأثرية الواعدة في منطقة الدلتا”، مشيراً إلى أن أهميته “لا تقتصر على ما يضمه من شواهد جنائزية فحسب، بل تمتد لتقدم صورة متكاملة عن تطور أنماط الاستيطان والحياة اليومية والتفاعل بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين”.
وتؤكد نتائج الحفائر أن الموقع ليس مجرد جبانة أثرية، بل “سجل أثري متكامل يوثق أنماطاً متنوعة من التفاعل البشري مع البيئة المحيطة عبر عصور تاريخية متعاقبة”.
ويمثل هذا الاكتشاف إضافة نوعية لفهم تاريخ الدلتا المصرية وامتداد الحضارة المصرية القديمة عبر العصور.
