في مقاربة علمية جديدة تنسف التصور التقليدي للحياة دون شريك، كشفت دراسة حديثة أن العزوبية لا تمثل بالضرورة مجرد مرحلة عابرة تسبق الدخول في علاقة عاطفية، بل يمكن أن تتحول إلى فضاء رحب لاكتساب الخبرات وتنمية المهارات وتعزيز الشعور بالاستقلال والرضا عن الحياة.
ووجد فريق البحث، الذي قادته إلينا مورينو، طالبة الدراسات العليا في جامعة تورنتو الكندية، أن الأفراد الذين ينظرون إلى وضعهم العاطفي باعتباره فرصة لتطوير الذات كانوا أكثر ميلاً لتعلم مهارات جديدة، وخوض غمار الرياضات الجماعية، وتجربة أنشطة غير مألوفة، وتوسيع دوائر صداقاتهم.
ولم تتوقف النتائج عند حدود السلوك، بل امتدت إلى المشاعر والتصورات الداخلية؛ إذ أفاد هؤلاء بمستويات أعلى من السعادة والرضا عن نمط حياتهم، وشعور متصاعد بالاستقلالية والكفاءة والتواصل مع المحيطين بهم، فيما تراجع لديهم الخوف من فكرة البقاء دون شريك عاطفي، وفقاً للدراسة المنشورة في دورية “Personality and Social Psychology Bulletin”.
وتعليقاً على النتائج، أوضحت مورينو أن عدداً كبيراً من العزاب يفضلون نمط حياتهم لأنه يمنحهم حرية أوسع للتركيز على أهدافهم الذاتية، قائلة: “كثيرون يختارون البقاء دون شريك لأن ذلك يتيح لهم متسعاً لتطوير هواياتهم، والتقدم في مسارهم المهني، أو السفر بحرية”.
من العلاقة إلى الذات.. توسيع المفهوم
واعتمدت الدراسة على نظرية نفسية راسخة تُعرف بـ”توسيع الذات”، والتي تفترض أن الشخص يطوّر إحساسه بهويته عندما يتعرف إلى أشخاص جدد، أو يخوض تجارب مختلفة، أو يستوعب أفكاراً ومهارات جديدة. وبينما ظلت أغلب الأبحاث السابقة حبيسة دراسة هذا التوسع داخل إطار العلاقات العاطفية، تأتي الدراسة الجديدة لتوسّع الدائرة باتجاه النمو الشخصي الذي قد يتحقق عبر الصداقات والعلاقات الأسرية، أو حتى من خلال أنشطة فردية بحتة.
وفي تفصيل لافت، وجد الباحثون أن ما يصل إلى 82% من المشاركين العزاب لجأوا إلى علاقات وثيقة غير عاطفية، مثل الأصدقاء وأفراد الأسرة، كمساحة لخوض تجارب أسهمت في تطوير أنفسهم، بينما قال 18% فقط إنهم اعتمدوا على أنفسهم بالكامل لتحقيق هذا الغرض.
دعوة لاستثمار المرحلة.. وتحذير من التعميم
ورغم الصورة الإيجابية التي ترسمها النتائج، شددت مورينو على ضرورة قراءتها في سياقها الصحيح، قائلة: “تجربة أشياء جديدة، والتعرف إلى أشخاص جدد، وتطوير الهوايات، يمكنها أن تحسّن نظرة الشخص إلى العزوبية وإلى حياته بصورة عامة”.
لكن الباحثين حذروا في الوقت ذاته من القفز إلى استنتاج أن العزوبية أفضل من العلاقات العاطفية، مؤكدين أن الهدف الأساسي من الدراسة هو إثبات أنها قد تشكل مساراً موازياً للنمو الشخصي، وليست مجرد حالة سلبية أو محطة انتظار مؤقتة.
كما أقر الفريق البحثي بأن الدراسة لا تحسم بشكل قاطع اتجاه العلاقة السببية؛ فهل الاعتقاد بفوائد العزوبية هو ما يدفع الأشخاص فعلياً إلى تغيير سلوكهم، أم أن الأشخاص الأكثر سعادة وتفاؤلاً بطبيعتهم هم الأقرب للنظر إلى وضعهم بإيجابية؟
واختتمت مورينو بالقول إن “الأشخاص الراغبين في البقاء دون شريك يمكنهم الاستفادة من البحث عن تجارب توسع مداركهم وتعينهم على فهم أنفسهم”، مضيفة أن الساعين إلى علاقة عاطفية ليسوا استثناء، بل بإمكانهم أيضاً توظيف مرحلة العزوبية لتحقيق نمو شخصي ملموس.
