تحولت قمة إيفرست، أعلى نقطة في العالم، من مصيدة موت إلى صناعة تجارية بمليارات الدولارات، يشتري فيها الهواة حلم الوصول إلى السطح ببطاقات سعرية باهظة، وسط جدل متصاعد حول الازدحام القاتل وتآكل معايير السلامة.
ولم يعد الوصول إلى قمة إيفرست إنجازاً رياضياً محصوراً بنخبة المتسلقين، إذ اليوم، أي شخص يتمتع بلياقة بدنية معقولة وميزانية كافية يمكنه حجز مقعد في رحلة تجارية إلى سقف العالم، حيث تتولى الشركات المتخصصة كل شيء: التدريب، المعدات، المصرحين، الأكسجين، وحتى جدولة الخطوات في منطقة الموت.
والأرقام وحدها تروي قصة التحول، فمن عام 1953 حتى 1989، لم يتجاوز عدد من وصلوا القمة 270 شخصاً، أما اليوم فيتجاوز هذا الرقم ما يسجله الجبل في يوم واحد مزدحم من موسم التسلق، حيث وقف 274 شخصاً على القمة في 20 مايو من العام الماضي وحده خلال 24 ساعة.
الازدحام أخطر من الطقس
ويرى الخبراء أن الخطر الأكبر اليوم لم يعد الطقس غير المتوقع كما في الماضي، بل الازدحام الشديد الذي يحوّل منطقة الموت إلى طابور انتظار طويل، وقلة خبرة بعض المتسلقين الذين يشكلون خطراً على أنفسهم وعلى غيرهم، وشركات تقدم خدمات منخفضة التكلفة على حساب معايير السلامة.
وقبل بضعة عقود فقط، كان مجرد التفكير في اصطحاب عملاء يدفعون المال إلى قمة إيفرست يبدو فكرة غير معقولة، حيث كانت الحملات تعتمد على فرق وطنية أو بعثات مدعومة من رعاة وممولين، لكن هذا الواقع بدأ يتغير عام 1992 عندما نجحت شركة “Adventure Consultants” النيوزيلندية في إيصال 6 عملاء إلى القمة وإعادتهم سالمين، لتتبعها شركات أخرى بسرعة وتتحول الفكرة إلى صناعة قائمة بذاتها.
مدينة عند سفح الموت
وعند معسكر قاعدة إيفرست، لم يعد هناك مخيم مؤقت للبعثات، بل مدينة مصغرة تعمل طوال الموسم، تضم خياماً فاخرة وطهاة وإنترنت وعيادات طبية وخدمات لوجستية متكاملة، كل شيء متوفر مقابل المال.
وقد ساهمت التطورات التقنية وتحسن المعدات وظهور جيل جديد من منظمي الرحلات النيباليين في جعل الجبل أكثر أماناً وربحية من أي وقت مضى، فشركات الإرشاد صارت تتشارك في تثبيت الحبال وتنظيم المعابر، وزاد الأكسجين والمعدات الطبية بشكل كبير، وأصبح الأطباء المتخصصون جزءاً من الرحلات، وفرضت قواعد صارمة لأوقات العودة.
لكن التقدم الأكبر كان في دقة التنبؤات الجوية التي تعتمد عليها محاولات الوصول اليوم، مما يجعل احتمال تكرار كارثة مماثلة ضئيلاً جداً.
درونز ونيباليون في الصدارة
ودخلت طائرات الدرون على خط العمليات لنقل المعدات وتحديد المسارات والمساعدة في البحث والإنقاذ، مما قلص المخاطر على أفراد الشيربا أثناء عبور شلال كومبو الجليدي الخطير.
وفي موازاة ذلك، صعد المتسلقون النيباليون إلى الواجهة، وأصبحوا يقودون غالبية رحلات الإرشاد ويحققون أرقاماً قياسية عالمية، ومن أبرزهم كامي ريتا شيربا الذي حطم رقمه القياسي بصعود إيفرست للمرة الثانية والثلاثين، ولاكبا شيربا التي وصلت إلى القمة 11 مرة، وهو أكبر عدد من مرات الصعود لامرأة.
جليد يذوب وخطر لا يغيب
ورغم التطورات الكبيرة، لا تزال المخاطر تحيط بالجبل، فالتغير المناخي يذيب الجليد ويزيد من خطورة بعض المقاطع، والازدحام المتزايد يفرض على المتسلقين انتظاراً لساعات طويلة في منطقة الموت، حيث يزيد خطر نفاد الأكسجين والتعرض للبرد القاتل.
ومع ذلك، يبقى إيفرست رمزاً للطموح البشري والمغامرة القصوى، فرغم الحوادث والانتقادات والجدل الدائم حول تسليعه، لا يزال يجذب آلاف الأشخاص من مختلف أنحاء العالم، ممن يحلمون بالوقوف على أعلى نقطة فوق سطح الأرض، وخوض واحدة من أعظم المغامرات التي يمكن للإنسان أن يعيشها.
