تتجه السعودية إلى إعادة تشكيل قطاع التعليم العام بما يتجاوز تحديث الأنظمة واللوائح، مع منح الاستثمار الخاص والأجنبي مساحة أكبر في إدارة وتشغيل المؤسسات التعليمية واستثمار أصولها.
ويأتي ذلك في إطار نظام جديد أقرّه مرسوم ملكي، ويجمع للمرة الأولى الجهات الحكومية المعنية بالتعليم والاقتصاد والاستثمار وسوق العمل تحت مظلة تنظيمية واحدة.
ويمثل النظام أوسع إعادة تنظيم لحوكمة التعليم العام في المملكة منذ عقود، إذ يلغي العمل بمجموعة من الأنظمة واللوائح المتفرقة، بينها وثيقة السياسة العامة للتعليم الصادرة عام 1969، ويستبدلها بإطار موحد يفترض أن يجعل اتخاذ القرارات ومنح الموافقات أكثر سرعة ووضوحا.
بوابة واحدة
في قلب التغيير يأتي إنشاء مجلس شؤون التعليم العام، الذي سيضم ممثلين على مستوى نواب الوزراء من وزارات المالية والاستثمار والاقتصاد والتخطيط والموارد البشرية والصحة والثقافة والرياضة، إلى جانب هيئة تقويم التعليم والتدريب وممثلين عن القطاعين الخاص وغير الربحي.
ويترأس وزير التعليم المجلس، الذي يبدأ ممارسة اختصاصاته بمجرد نشر النظام في الجريدة الرسمية، فيما يدخل النظام نفسه حيز التنفيذ بعد 180 يوما.
ويمنح الإطار الجديد فترة انتقالية تصل إلى عام بعد نفاذه لاستبدال الأحكام القائمة، بما يسمح للجهات المعنية بإعادة ترتيب الإجراءات واللوائح قبل الانتقال الكامل إلى النظام الجديد.
ولا تبدو هذه التركيبة مجرد إعادة توزيع للصلاحيات. فجمع التعليم والاستثمار والمالية وسوق العمل في مجلس واحد يعكس توجها إلى التعامل مع التعليم باعتباره جزءا من سياسة تنمية رأس المال البشري والاقتصاد، وليس قطاعا منفصلا عن احتياجات السوق.
المستثمر أمام وضوح أكبر
بالنسبة إلى المستثمرين، قد يكون التغيير الأهم هو محاولة اختصار الطريق التنظيمي الذي طالما ارتبط بتعدد الجهات وتداخل الموافقات.
وترى رنا ماريستاني، مؤسسة ورئيسة «آر كونسلتنسي غروب»، التي تقدم المشورة لمؤسسات بريطانية تسعى إلى دخول أسواق السعودية والخليج، أن الاستثمار الأجنبي في التعليم كان متاحا بالفعل، لكن الوصول إلى السوق كان يواجه تعقيدات مرتبطة بتعدد الموافقات وعدم وضوح التنفيذ وطول الجداول الزمنية.
وبحسب ماريستاني، فإن النظام الجديد يوفر وضوحا أكبر بشأن التراخيص والحوكمة ومتطلبات التشغيل، بما يمنح المشغلين الدوليين درجة أعلى من اليقين بشأن البيئة التي سيدخلونها.
وبذلك، قد ينقل النظام القطاع من مرحلة إتاحة الاستثمار من حيث المبدأ إلى بناء بيئة تشغيلية أكثر قابلية للاستثمار، وهو فارق مهم بالنسبة إلى المستثمر الذي لا يبحث فقط عن السماح بالدخول، بل عن قواعد واضحة ومستقرة بعد دخوله السوق.
التعليم كفرصة استثمار
ويذهب النظام أبعد من تبسيط الإجراءات، إذ يتيح لوزارة التعليم، وفق ضوابط يقرها المجلس، إسناد بعض مهامها التعليمية أو إدارة وتشغيل بعض المؤسسات التعليمية إلى القطاع الخاص أو غير الربحي.
كما يسمح بإسناد بعض الأصول، ومنها الأراضي والمباني التعليمية، إلى القطاع الخاص أو غير الربحي، بما في ذلك المستثمر الأجنبي، لإدارتها أو تشغيلها أو استثمارها في المؤسسات التعليمية الخاصة.
هذه الصلاحيات توسع نطاق الفرص أمام المستثمرين من بناء المدارس وتشغيلها إلى نماذج أوسع يمكن أن تشمل إدارة الأصول التعليمية والاستثمار فيها.
والسوق ليس جديدا تماما على رأس المال الأجنبي. فقد كشف كريم موسى، الرئيس التنفيذي المشارك لـ«إي إف جي هيرميس»، أن المجموعة تعتزم ضخ أكثر من 150 مليون دولار في قطاع التعليم السعودي خلال العامين المقبلين عبر صندوقها المتخصص.
شهية قائمة
وكان الصندوق قد استثمر بالفعل 125 مليون دولار في ست مدارس داخل المملكة، بحسب موسى، الذي قال إن المجموعة تخطط للتوسع في مدارس «حياة» خلال العام الجاري، إلى جانب دراسة الاستحواذ على مدرستين ودخول مجال الحضانات التعليمية خلال العامين المقبلين.
وتأتي هذه الخطط في سوق يستفيد من استمرار الطلب على التعليم الخاص، ما يمنح المستثمرين حافزا إضافيا مع انتقال السعودية إلى نموذج اقتصادي يعتمد بدرجة أكبر على مشاركة القطاع الخاص.
لكن نجاح النظام لن يقاس فقط بعدد المدارس التي تدخلها استثمارات جديدة أو حجم الصفقات التي يجذبها القطاع. فالمسألة الأوسع بالنسبة إلى المملكة هي ما إذا كان رأس المال الجديد سيترجم إلى تعليم أفضل ومهارات أكثر ملاءمة للاقتصاد الذي تسعى إلى بنائه.
الاختبار الحقيقي
هنا تظهر واحدة من أصعب مهام الإصلاح. فمؤشرات «رؤية 2030» لا تزال تشير إلى فجوة بين مستوى مخرجات التعليم والطموحات التي وضعتها المملكة.
وسجل الطلاب السعوديون 387 نقطة في اختبار «بيزا» لعام 2022، مقابل خط أساس عند 386 نقطة ومستهدف مرحلي يبلغ 394 نقطة، بينما تستهدف المملكة الوصول إلى 500 نقطة بحلول عام 2030.
لذلك، فإن إعادة تنظيم القطاع وفتح مساحة أكبر أمام المستثمرين قد تكون خطوة مهمة، لكنها لا تمثل الغاية النهائية. التحدي الحقيقي سيكون في تحويل الحوكمة الجديدة والاستثمارات الخاصة إلى مدارس أكثر كفاءة، ومناهج أفضل، ومهارات تتلاءم مع سوق عمل سريع التغير.
ومن هذه الزاوية، يبدو نظام التعليم العام الجديد جزءا من معركة أكبر تخوضها السعودية: ليس فقط جذب الأموال إلى التعليم، بل تحويل التعليم نفسه إلى أداة لإنتاج رأس المال البشري الذي يحتاجه اقتصاد ما بعد النفط.
