تحولت مدينة سبتة الإسبانية إلى بؤرة أزمة هجرة متسارعة، بعدما تدفق إليها آلاف المهاجرين من المغرب بحراً وبراً، في أكبر موجة عبور جماعي تشهدها المدينة منذ عام 2021.
وقدرت وزارة الداخلية الإسبانية عدد المهاجرين الذين عبروا إلى سبتة خلال 24 ساعة بنحو 50 ألف شخص، بينما أظهرت لقطات تلفزيونية مهاجرين يسبحون بمحاذاة الحدود قبل الوصول إلى المدينة.
وكشفت عمليات العبور المتواصلة حجم المخاطر التي رافقت الموجة، بعدما لقي 18 مهاجراً حتفهم أثناء محاولتهم الوصول سباحة، فيما وصل أكثر من 1,500 شخص، بينهم بالغون وقاصرون، خلال الأيام الماضية.
تدفق يفوق قدرة المدينة
وفرضت الأعداد المتزايدة ضغطاً غير مسبوق على سبتة، بعدما تجاوز عدد الوافدين 200 شخص يومياً، وفق إحصاءات السلطات المحلية، بينما امتلأت مراكز الاستقبال ولم تعد قادرة على استيعاب المزيد.
وأعادت الأزمة إلى الواجهة مشاهد عام 2021، حين وصل نحو 10 آلاف مهاجر إلى المدينة خلال فترة قصيرة، في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي من المغرب.
ودفعت الزيادة المتسارعة سلطات سبتة إلى طلب تدخل الجيش الإسباني، بعدما تجاوزت الأزمة قدرة أجهزة الأمن ومراكز الاستقبال على التعامل معها.
مدريد تشدد الحدود
ونشرت وزارة الداخلية الإسبانية عناصر من القوات المسلحة إلى جانب قوات الأمن للمساعدة في ضبط الحدود والحفاظ على الأمن داخل المدينة.
ورفضت الحكومة في المقابل إعلان حالة طوارئ وطنية، رغم مطالبة سلطات سبتة بذلك، واعتبرت أن التشريعات الإسبانية لا تصنف تدفق المهاجرين بحد ذاته خطراً على الأمن القومي يستوجب هذا الإجراء.
وعززت مدريد في الوقت نفسه الموارد الأمنية والإنسانية، وبدأت إجراءات إعادة المهاجرين الذين دخلوا المدينة بصورة غير نظامية.
وربطت هذه الخطوة نجاحها بالتنسيق مع المغرب، الذي يشكل الطرف الآخر من الحدود التي عبر منها المهاجرون.
الرباط تدخل على خط الأزمة
واتفقت إسبانيا والمغرب على تعزيز التنسيق وتطبيق إجراءات إعادة جميع الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير قانونية في أقرب وقت.
وأعلنت مدريد أن قوات الأمن المغربية تمنع أعداداً كبيرة من الأشخاص من الوصول إلى المدينة، بينما تواصل السلطات الإسبانية تشديد الرقابة على حدودها.
وتجعل المسافة القصيرة بين البلدين عملية العبور أكثر سهولة؛ إذ لا تفصل بين شاطئ الفنيدق وأقرب نقطة حدودية بحرية في سبتة سوى نحو كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات.
وتزيد حساسية الملف بسبب وضع المدينة نفسه، إذ تعتبر الرباط سبتة جزءاً من الأراضي المغربية، بينما تخضع للإدارة الإسبانية منذ قرون.
أزمة حدودية تتحول إلى سياسية
أعادت موجة العبور الواسعة ملف سبتة إلى صدارة العلاقة الحساسة بين مدريد والرباط، بعدما تجاوزت تداعياتها الجانب الأمني والإنساني.
وانتقد زعيم الحزب الشعبي المعارض ألبرتو نونيز فييخو تعامل الحكومة الإسبانية مع الأزمة، ووصف الوضع بأنه “لا يطاق”، محذراً من تداعيات أمنية وطنية.
واستدعت الأزمة في الوقت نفسه ذاكرة تاريخية وسياسية مرتبطة بالمدينة، التي احتلتها البرتغال عام 1415 ثم انتقلت إلى الحكم الإسباني عام 1580، بينما تواصل الرباط المطالبة باستعادتها.
سبتة تفتح جبهة أوروبية
وسّعت الأزمة نطاقها عندما دخلت إيطاليا على خط المواجهة السياسية، وطالبت بتعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن.
ودعا وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى إغلاق منطقة شنغن أمام إسبانيا، معتبراً الهجرة غير النظامية وغير المنضبطة خطراً على الأمن القومي.
وأيد نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني الدعوة، فيما أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني استعداد روما لاتخاذ “تدابير استثنائية”، بينها تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا.
وانتقد تاياني كذلك منح الحكومة الإسبانية الجنسية لأكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، معتبراً أن منح الجنسية الإسبانية، وبالتالي الأوروبية، يشجع الاتجار بالبشر.
أرقام تكشف حجم القفزة
وتكشف البيانات الإسبانية أن موجة العبور الحالية لا تشبه نمط الهجرة المعتاد إلى سبتة، بعدما لم تسجل المدينة أي وصول بحري لمهاجرين غير نظاميين حتى 15 تموز، مقابل أربعة أشخاص فقط خلال 2025 و28 شخصاً خلال 2024.
وتزامنت القفزة مع تجمع مئات الأشخاص على الطرق المؤدية إلى الحدود، بعدما انتشرت شائعة تتحدث عن فتحها، ما دفع شباناً من مناطق مختلفة إلى التحرك نحو الفنيدق.
ووصل بعض المتجمعين من طنجة، التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن الفنيدق، سيراً على الأقدام، بينما استخدم آخرون الدراجات النارية والسيارات للوصول إلى المنطقة الحدودية.
ضغوط اقتصادية خلف المشهد
وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية يواجهها جزء من الشباب المغربي، إذ بلغ معدل البطالة 13% خلال عام 2025.
وأظهرت بيانات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نحو 1.5 مليون شاب وشابة بين 15 و24 عاماً كانوا خارج سوق العمل في 2024، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 36.8 مليون نسمة.
وتمنح هذه الظروف خلفية لفهم دوافع بعض الراغبين في العبور، لكنها لا تفسر وحدها التوقيت والحجم الاستثنائي للموجة.
وتضاعف الجغرافيا أهمية سبتة في هذه المعادلة، إذ تبلغ مساحة المدينة نحو 19 كيلومتراً مربعاً، وتطل على البحر المتوسط من ثلاث جهات، وتقابل مضيق جبل طارق، فيما لا تبعد عن أقرب نقطة على الساحل الجنوبي الإسباني سوى نحو 26 كيلومتراً.
