لم يكن صعود الحوثيين في اليمن مجرد تمرد محلي عابر، بل نتيجة هندسة إيرانية دقيقة استمرت لعقدين لتحويل جماعة جبلية محدودة النفوذ إلى قوة إقليمية مؤثرة.
وبدأت الخطة في تسعينيات القرن الماضي باستقطاب مقاتلين من صعدة وتدريبهم في معسكرات حزب الله بإيران ولبنان، مما منحهم خبرات قتالية متقدمة في حرب العصابات.
واستغلت طهران عجز الحكومة اليمنية عن احتواء التمرد لترسيخ وجودها، بينما كان الحرس الثوري يرسل خبراء لإدارة العمليات وتطوير تكتيكات تناسب التضاريس الجبلية، ممهداً الطريق لمرحلة أكثر خطورة من التوسع العسكري والسياسي.
ومع سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014، انتقل الدعم الإيراني من المرحلة التأسيسية إلى مرحلة الإمداد المتقدم، حيث ظهرت قفزة نوعية في القدرات الهجومية للحوثيين بحلول عام 2017.
وبدأت الميليشيا باستخدام صواريخ باليستية بعيدة المدى تصل إلى 2500 كيلومتر وطائرات مسيرة متطورة، تم تهريبها عبر سفن تجارية صغيرة استغلت ثغرات في آليات التفتيش الدولية التي كانت تركز على الحاويات الكبيرة.
هذا التحول اللوجستي المعقد، الذي يشرف عليه الحرس الثوري مباشرة، ضمن تدفقاً مستمراً للسلاح المتقدم وجعل رصده أمراً بالغ الصعوبة، مما عزز القدرة الضاربة للجماعة بشكل غير مسبوق.
إدارة الدولة والتوسع نحو القرن الأفريقي
ولم تقتصر الرؤية الإيرانية على الجانب العسكري فقط، بل سعت لبناء هيكل حكم بديل قادر على إدارة مؤسسات الدولة، فنظمت برامج تدريبية في دمشق لأكثر من 2500 شخص من الكوادر الإدارية الموالية.
وامتد هذا الطموح ما وراء الحدود اليمنية نحو القرن الأفريقي، حيث بنت الميليشيا تحالفات استراتيجية مع حركة الشباب الصومالية وأنشأت معسكرات تدريب مشتركة في شمال وغرب اليمن.
وأعدّت العناصر المدربة لتنفيذ عمليات عسكرية وتهريب أسلحة عبر خليج عدن، مما خلق حزاماً أمنياً ممتداً يربط بين ضفتي البحر الأحمر ويهدد خطوط الملاحة الدولية الحيوية.
ذراع استراتيجي يتجاوز الجغرافيا المحلية
أصبح الحوثيون اليوم جزءاً لا يتجزأ من الشبكة الإقليمية الإيرانية، محققين أهداف طهران في توسيع نفوذها خارج حدودها المباشرة. وحولت الجماعة ترسانتها العسكرية وشبكات التهريب والعلاقات الإقليمية إلى ورقة ضغط استراتيجية تؤثر في توازنات القوة الإقليمية وتهدد الاستقرار الدولي.
وهذا التحول الشامل يؤكد أن صعود الحوثي لم يكن نتاجاً لصراع داخلي فريد، بل ثمرة مشروع متكامل جمع بين التدريب العسكري المتقدم، والبناء الإداري الموازي، والتوسع الجغرافي الواسع، ليصبح الذراع الأكثر فعالية لطهران في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين.
