لم يعد الاحتجاج على مراكز البيانات شأنًا يخص بلدة صغيرة تعترض على مشروع بجوارها. فقد أصبح ملفًا سياسيًا يحدد نتائج الانتخابات ويؤثر في أسواق المال. في الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت يوم الثلاثاء، أقر الناخبون في 38 ولاية قضائية محلية على الأقل حظرًا أو قيودًا على إنشاء مراكز البيانات، بحسب صحيفة واشنطن بوست التي وصفت النتيجة بأنها «انتكاسة كبيرة» لصناعة الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن أكثر من مئة مجموعة ناشطة في 15 دولة أوروبية تستعد ليومين من الاحتجاجات للمطالبة بوقف مشاريع الذكاء الاصطناعي الكبرى.
أهمية اللحظة أن هذا الاعتراض يصيب الحلقة الأكثر كلفة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وهي الحوسبة المادية التي تحتاج إلى الأرض والكهرباء والماء. وهذه الحلقة لا يمكن نقلها إلى السحابة.
من قضية تخطيط عمراني إلى استفتاء على الذكاء الاصطناعي
الاعتراض على هذه المنشآت قديم نسبيًا. في عام 2022 رصدت وكالة فرانس برس أن حملات محلية أوقفت مشاريع لأمازون في فرنسا ولغوغل في لوكسمبورغ ولميتا في هولندا. وفرضت الحكومة الأيرلندية في العام نفسه قيودًا صارمة على المشاريع الجديدة حتى عام 2028، مع تأكيدها دعم القطاع.
لكن طفرة الذكاء الاصطناعي غيّرت حجم المسألة. في سبتمبر الماضي نقلت فرانس برس احتجاج نحو 400 شخص في مدينة لينتس النمساوية على مشروع لغوغل مساحته 50 هكتارًا في بلدة كرونستورف. وأشارت الوكالة إلى أن سكان إقليم أراغون الإسباني رفعوا دعوى قضائية ضد توسعة ضخمة لمراكز بيانات أمازون، وأن أمستردام فرضت وقفًا لبناء مراكز بيانات جديدة بسبب ضيق المساحة ونقص الكهرباء، وأن الدنمارك وضعت هذه المراكز في آخر قائمة أولويات الربط بالشبكة الكهربائية.
ولم تقتصر الموجة على الشمال الغني. ففي جنوب أفريقيا، التي تشهد أسرع توسع لهذا القطاع في القارة، طعنت حركة «جمعية الإسكان» مع منظمة فوكسغلوف البريطانية في قرار إعادة تخطيط أرض قرب كيب تاون استحوذت عليها شركة إكوينكس الأميركية، بحسب فرانس برس.
ماذا يقول المسؤولون والصناعة؟
في الولايات المتحدة يحاول القطاع تقديم نفسه شريكًا للمجتمعات المحلية. قال دان ديوريو، نائب رئيس السياسات في الولايات لدى «تحالف مراكز البيانات» الذي يضم شركات منها ميتا وأمازون، في تصريح للإذاعة الوطنية العامة الأميركية (NPR)، إن الصناعة ملتزمة بأن تكون «شريكًا مسؤولًا» و«متجاوبًا» في المجتمعات التي تعمل فيها. وفي الجهة المقابلة، توقع برندان شتاينهاوزر، الرئيس التنفيذي لمنظمة «التحالف من أجل ذكاء اصطناعي آمن»، أن تبقى القضية حاضرة بقوة في السياسة الأميركية «في المستقبل المنظور».
وفي أوروبا تحدث المحتجون عن غياب الشفافية. قالت المحامية أندريا كولمان لفرانس برس إن المشروع النمساوي تقدّم «بسرعة كبيرة جدًا» وإن كل شيء «غير شفاف على الإطلاق». أما في جنوب أفريقيا فقد كشفت أرقام إكوينكس نفسها جوهر الاعتراض: وظّف مركزها قرب جوهانسبرغ نحو 750 شخصًا أثناء البناء، لكنه لا يضم سوى 26 موظفًا دائمًا بعد التشغيل.
تكشف هذه التصريحات أين يقع الخلاف. تعرض الصناعة استثمارات ووظائف، بينما يرى السكان منشآت تستهلك الموارد العامة وتقدم فرص عمل قليلة بعد انتهاء البناء. والوعود بالشراكة المحلية لم تعد تقنع الناخبين وحدها.
صراع على من يملك سلطة القرار
يرى توم ويلر، الرئيس الأسبق للجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية، في تحليل نشره معهد بروكينغز، أن المعركة في جوهرها صراع على السلطة: هل تمارسها المؤسسات الديمقراطية أم الجهات التي تسيطر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟ ويستند ويلر إلى بيانات مجموعة «داتا سنتر ووتش»، التي تفيد بأن الاعتراض المحلي أوقف أو أخّر 75 مشروعًا تبلغ قيمتها 130 مليار دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 وحدها. وهذا العدد يعادل تقريبًا عدد المشاريع المتأثرة طوال عام 2025.
ويضيف ويلر أن مراكز البيانات صارت «الوجه الأكثر ظهورًا» للذكاء الاصطناعي، ولذلك أصبحت وسيلة يعبّر بها المواطنون عن قلقهم من التقنية نفسها، وخاصة أثرها على الوظائف. ويشير أيضًا إلى اختلال في الإمكانات: قادة الصناعة ينفقون عشرات الملايين على لجان العمل السياسي لتوجيه سياسات الذكاء الاصطناعي، بينما تعمل المجموعات المطالبة بالرقابة بميزانيات أصغر بكثير.
جاءت نتائج الانتخابات النصفية في هذا الاتجاه. فالمال السياسي لم يحسم النتيجة، والقضايا الملموسة مثل فواتير الكهرباء واستهلاك المياه كانت أقوى أثرًا في الناخبين. وقد تناولنا هذا الجانب في مقال الذكاء الاصطناعي أمام صندوق الاقتراع حين صارت فاتورة الكهرباء قضية انتخابية. وتلقت الأسواق الرسالة بسرعة، إذ ربط المستثمرون بين نتائج التصويت واحتمال تشديد الرقابة على إنشاء مراكز البيانات، كما ورد في تقريرنا عن تراجع أسهم الذكاء الاصطناعي بعد الانتخابات.
أما في أوروبا فالحسابات مختلفة. فالقارة متأخرة كثيرًا عن الولايات المتحدة في قدرة مراكز البيانات، وفق فرانس برس، وتسعى إلى تعزيز بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وهذا يضع حكوماتها أمام معادلة صعبة: هدف السيادة الرقمية يتطلب بناء مزيد من المراكز، بينما يجعل ضغط الشبكات الكهربائية وغلاء المعيشة أي مشروع كبير عرضة لرفض شعبي.
انعكاسات الاحتجاج على مراكز البيانات على المنطقة العربية
لهذه الموجة أثر مباشر على المنطقة العربية. فكل مشروع يتعثر في الغرب بسبب نقص الأرض أو الكهرباء أو الماء يدفع الشركات إلى البحث عن مواقع بديلة تتوافر فيها الطاقة والمساحات وسرعة الإجراءات. وهنا تبرز دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، بوفرة مصادر الطاقة لديها ورؤيتها الواضحة لبناء قدرات الحوسبة. وقد نوقش هذا التقاطع بين الطاقة والذكاء الاصطناعي في أديبك 2026 في أبوظبي.
لكن تجربة جنوب أفريقيا تقدم درسًا مهمًا. فالاعتراض هناك لم يكن على التقنية ذاتها، بل على غياب «قواعد واضحة وقابلة للتنفيذ» تنظم هذا القطاع سريع التوسع، وفق ما ورد في عريضة الناشطين. ولذلك فإن الدول العربية التي تريد الاستفادة من انتقال الاستثمارات ستكسب أكثر إذا وضعت معايير معلنة لكفاءة التبريد واستهلاك المياه ومصادر الطاقة، لأن هذه المعايير هي ما يطمئن المستثمرين ويحمي الموارد الوطنية على المدى الطويل.
سيناريوهات المرحلة المقبلة ومؤشرات ترجيحها
السيناريو الأول: تقنين تدريجي بلا قطيعة
تتجه الولايات المتحدة وأوروبا إلى اشتراطات أشد تتعلق بالإفصاح عن استهلاك المياه، وتحميل الشركات كلفة تقوية الشبكات، وربط المشاريع الجديدة بمصادر طاقة خاصة بها، دون حظر شامل. ومن مؤشرات هذا السيناريو صدور تشريعات في الولايات بعد تولي الحكام الجدد مناصبهم، وتوسّع النموذج الدنماركي في ترتيب أولويات الربط بالشبكة.
السيناريو الثاني: تصاعد المواجهة وتباطؤ الإنفاق
تنتشر قرارات الحظر المحلية ويتسع الاحتجاج الأوروبي العابر للحدود، فيرتفع عدد المشاريع المعطلة عن مستويات الربع الأول من 2026. ومن مؤشراته تأجيل الشركات الكبرى خطط الإنفاق الرأسمالي، واستمرار ضغط الأسواق على أسهم الذكاء الاصطناعي.
السيناريو الثالث: إعادة توزيع جغرافي للحوسبة
تنقل الشركات جزءًا متزايدًا من مشاريعها التدريبية الكبرى إلى مناطق تتوافر فيها الطاقة وتسهل فيها الإجراءات، ومنها الخليج، وتُبقي في الأسواق الغربية المراكز التي تحتاج إلى القرب من المستخدمين. ومن مؤشراته إعلان صفقات حوسبة كبرى خارج أميركا الشمالية وأوروبا، وتسارع أطر التعاون التقني العابرة للحدود.
كشف الاحتجاج على مراكز البيانات أن الذكاء الاصطناعي ليس صناعة افتراضية، بل يحتاج إلى بنية مادية تتنافس على الأرض والكهرباء والماء مع السكان. وبعد ما جرى في صناديق الاقتراع الأميركية وما يجري في الشارع الأوروبي، لن يُحسم مستقبل هذه الصناعة بالتفوق التقني وحده، بل أيضًا بقدرتها على إقناع المجتمعات بأن تحمّل كلفتها يستحق العناء. والمناطق التي تقدم الطاقة والتنظيم الواضح معًا هي الأقدر على الاستفادة من هذا التحول.
المصادر
- The Washington Post – A nationwide backlash against data centers erupts at the polls
- Brookings – Data center backlash signals a fight over AI power
- AFP via France 24 – Google data centre sparks protests in Austria
- AFP via France 24 – S.African activists push back on data centre rush
- AFP via France 24 – How the tide turned on data centres in Europe
- NPR – People are protesting AI data centers, and it’s scrambling political lines
