تُروى منذ عقود قصة عن مسجد في قلب باريس فتح أبوابه لليهود الفارين من النازيين، ومنحهم وثائق تثبت أنهم مسلمون. فما الذي نعرفه يقيناً؟ وما الذي لا يزال موضع خلاف؟
مسجد وُلد من ذاكرة الحرب
اكتمل بناء مسجد باريس الكبير في الدائرة الخامسة عام 1926، تخليداً لذكرى الجنود المسلمين الذين سقطوا دفاعاً عن فرنسا في الحرب العالمية الأولى. وكان أول عمداء المسجد سي قدور بن غبريط، المولود عام 1868 في سيدي بلعباس بالجزائر، والمتوفى في باريس عام 1954.
ما الذي تقوله الروايات؟
خلال الاحتلال الألماني لباريس في الحرب العالمية الثانية، تشير روايات متعددة إلى أن بن غبريط رتّب وثائق مزورة لعدد من اليهود تثبت أنهم مسلمون، وأن المسجد أخفى بعض الفارين خلال حملات الاعتقال. ومن أشهر من تُذكر أسماؤهم المغني الجزائري اليهودي سليم هلالي، الذي تفيد الروايات بأن بن غبريط حماه من الترحيل.
أين يختلف المؤرخون؟
الخلاف الحقيقي يدور حول حجم هذه العمليات. فبعض التقديرات تتحدث عن نحو 1600 شخص، وأخرى تقدّر العدد بنحو 500، في حين تنسب تقديرات أكثر تحفظاً إلى بن غبريط شخصياً إنقاذ نحو 100 شخص. ولم يمنح نصب «ياد فاشيم» التذكاري بن غبريط لقب «الصالحين بين الأمم»، لأن منح اللقب يتطلب شهادات موثقة من ناجين، ولم تتوفر شهادات مباشرة كافية من ناجين، ربما لأن العمل كان يتم بوثائق مزورة لا تترك أثراً.
وقد أعاد فيلم «رجال أحرار» (Les Hommes libres) للمخرج الفرنسي المغربي إسماعيل فروخي عام 2011 إحياء القصة، وجسّد فيه الممثل مايكل لونسدال شخصية بن غبريط، ما جعلها معروفة لجمهور واسع، وفتح في الوقت ذاته نقاشاً بين المؤرخين حول الحدود بين الوقائع والمعالجة الدرامية.
لماذا تهمنا هذه القصة؟
لأنها تذكّر بأن تاريخ العرب والمسلمين في أوروبا أعمق وأكثر تعقيداً من الصور النمطية. ولأن الأمانة تقتضي أن نرويها كما هي: قصة شجاعة تؤكدها شواهد عدة، وتفاصيل لم يحسمها التاريخ بعد. ذلك هو معنى أن «نختصر الوقت… لا الحقيقة».
المصادر: دراسة «هل أنقذ مسجد باريس يهوداً؟» في مجلة Diasporas، الموسوعة الفرنسية.
