لم يعد الإيرانيون يلجأون إلى التقسيط لشراء السلع المعمرة والأجهزة المنزلية فحسب، بل باتت خطط “اشتر الآن وادفع لاحقاً” تمتد إلى الغذاء والاحتياجات اليومية، في مؤشر على حجم الضغوط التي خلفتها الحرب والعقوبات وتراجع قيمة العملة.
في أنحاء طهران، تنتشر على واجهات المتاجر عروض الائتمان من دون فوائد وخطط الدفع المؤجل. وكانت هذه الآليات معروفة منذ سنوات لتمويل مشتريات مثل الأثاث والأجهزة المنزلية، إلا أن استخدامها اتسع بصورة لافتة منذ اندلاع الحرب، مع لجوء تجار التجزئة إلى إتاحتها لشراء السلع الأساسية، وفق وسائل إعلام رسمية وشهادات أشخاص تحدثوا إلى “بلومبرغ”.
ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للإيرانيين بشدة، مع تضخم يقترب من 80% وانخفاض الريال بنحو 30% منذ بداية العام، بينما يواجه الاقتصاد تداعيات عقود من العقوبات والفساد وسوء الإدارة، تفاقمت بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية.
ويقول هادي كحل زاده، الزميل غير المقيم في “معهد كوينسي” في واشنطن، إن نحو 70% من الإيرانيين ينتمون إلى الفئات الفقيرة أو المعرضة للخطر. ويرى أن اللجوء إلى التقسيط لشراء الطعام والاحتياجات اليومية يمثل مؤشراً واضحاً على انتقال التضخم من مشكلة اقتصادية كلية إلى واقع يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.
وتحاول إيران منذ سنوات التكيف مع العزلة الاقتصادية من خلال تطوير قنوات بديلة للتجارة والتمويل والنقل، وتعزيز علاقاتها مع الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين. وبمرور الوقت، تمكنت الشركات والحكومة من بناء شبكات من الوسطاء وطرق الدفع البديلة، ما ساعد الاقتصاد على تفادي الانهيار رغم العقوبات.
لكن الحرب تفرض اختباراً مختلفاً. فإلى جانب الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية، أدى استمرار الضغوط الاقتصادية والحصار البحري إلى زيادة مخاطر اضطراب التجارة وتراجع تدفق السلع والطاقة ومدخلات الإنتاج.
وقال خبراء إن الاقتصاد الإيراني قد يواجه واحدة من أصعب مراحله منذ عقود إذا طال أمد الحصار، مع احتمال تفاقم التضخم والبطالة والفقر وظهور نقص في الغذاء والوقود والأدوية والمواد اللازمة للصناعة.
ومع ذلك، لا تزال إيران تمتلك قاعدة صناعية واسعة واقتصاداً أكثر تنوعاً من اقتصادات كثيرة في المنطقة، وهو ما ساعدها على الصمود في وجه سنوات طويلة من العقوبات. إلا أن هذا الصمود يأتي بتكلفة متزايدة يدفعها السكان عبر انخفاض مستويات المعيشة وتآكل قدرتهم على الإنفاق.
وتظهر هذه الضغوط بوضوح في تجربة نازانين، وهي صاحبة نشاط تجاري في طهران تبلغ من العمر 56 عاماً. فمنذ بدء نشاطها قبل أكثر من عقد، عايشت العقوبات وانهيارات العملة وحربين، لكنها تقول إن الظروف الحالية دفعتها للمرة الأولى إلى استخدام الائتمان لشراء احتياجاتها الغذائية.
وبعد بدء القصف الأميركي والإسرائيلي لإيران في أواخر فبراير، اضطرت نازانين إلى تسريح عدد من موظفيها والتخلي عن الإنفاق غير الضروري في محاولة لمواكبة الارتفاع الحاد في الأسعار. ورغم أنها تعيش بمفردها، فإن دخلها لا يكفي أحياناً لتغطية نفقاتها.
وتقول نازانين، التي طلبت عدم نشر اسم عائلتها وتفاصيل نشاطها التجاري بسبب حساسية الحديث إلى وسائل إعلام أجنبية: “في بعض الأيام لا يكون لدي أي مال”. وأضافت أن إمكانية شراء احتياجاتها الأسبوعية بالتقسيط “مفيدة جداً”.
وبالنسبة إليها، لم يعد التقسيط خياراً لتمويل مشتريات كبيرة، بل وسيلة لتدبير الاحتياجات الأساسية في اقتصاد تتراجع فيه قيمة الدخل بصورة أسرع من قدرة الأسر على التكيف.
وتلخص حالتها التحول الذي يشهده الاقتصاد الإيراني: فبعدما كان الائتمان مرتبطاً في الغالب بالسلع المعمرة، أصبح الآن يمتد إلى سلة الغذاء نفسها، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية ويصبح الصمود الاقتصادي عبئاً يومياً على الأسر والتجار معاً.
