خاص – 29sec
قبل أقل من نصف قرن، لم تكن الصين التي يعرفها العالم اليوم قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية كبرى، ولم تكن موانئها ومصانعها وسلاسل إمدادها تحتل الموقع الذي تشغله حالياً في الاقتصاد العالمي.
كانت البلاد في نهاية سبعينيات القرن الماضي اقتصاداً منخفض الدخل، يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة، وأقل اندماجاً في التجارة الدولية، بينما كان النشاط الاقتصادي يخضع بدرجة واسعة للتخطيط المركزي. لكن عام 1978 فتح الباب أمام تحول تاريخي طويل، بدأ بإصلاحات داخلية تدريجية وانتهى ببناء واحدة من أكبر القواعد الصناعية والتجارية في العالم.
منذ بداية “الإصلاح والانفتاح” عام 1978، نما الاقتصاد الصيني بمتوسط يزيد على 9% سنوياً، وفق البنك الدولي، وخرج ما يقرب من 800 مليون شخص من الفقر المدقع، فيما انتقلت الصين من اقتصاد منخفض الدخل إلى اقتصاد من فئة الدخل المتوسط الأعلى. ويصف البنك الدولي هذا التحول بأنه واحد من أبرز التحولات الاقتصادية والتنموية في التاريخ الحديث.
لكن هذه النتيجة لم تكن ثمرة قرار واحد أو قطاع واحد. فالصين بنت قوتها على مدى عقود من خلال سلسلة مترابطة من الإصلاحات بدأت بالزراعة، ثم انتقلت إلى الصناعة، وجذب الاستثمار الأجنبي، وإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة، والانفتاح التجاري، وتطوير البنية التحتية، ثم الاستثمار في التعليم والبحث والتطوير والتكنولوجيا.
وبعبارة أخرى، لم تصنع الصين “معجزة” مفاجئة، وإنما راكمت على مدى عقود عناصر القوة الاقتصادية إلى أن أصبحت منظومة إنتاج متكاملة ذات تأثير عالمي.
البداية من الريف.. حين أصبحت الزراعة بوابة الإصلاح
عندما بدأت الصين إصلاحاتها الاقتصادية في أواخر السبعينيات، لم يكن أول رهان لها على المصانع العملاقة أو التصدير، وإنما على القطاع الزراعي. فقد أدخلت البلاد نظام “مسؤولية الأسر” الذي منح الأسر الزراعية حوافز أكبر لزيادة الإنتاج واتخاذ القرارات المتعلقة بالزراعة، في تحول مهم عن النموذج الجماعي السابق.
كان أثر الإصلاح الزراعي أكبر من مجرد زيادة كمية المحاصيل؛ إذ أدى ارتفاع الإنتاجية والدخل في الريف إلى خلق ظروف سمحت بانتقال جزء من العمالة تدريجياً من الزراعة إلى الصناعة والبناء والخدمات.
وهكذا أصبح الإصلاح الزراعي أحد المداخل التي ساعدت الصين على تحويل اقتصادها من اقتصاد يعتمد على الزراعة إلى اقتصاد تتزايد فيه أهمية الصناعة والخدمات.
وتشير دراسات البنك الدولي إلى أن الإصلاحات التي بدأت في 1978 اتبعت نهجاً تدريجياً وتجريبياً، بحيث جرى اختبار بعض السياسات محلياً قبل توسيع نطاق تطبيقها، وهي سمة أصبحت لاحقاً من السمات المميزة للتجربة الصينية.

من الحقول إلى الورش والمصانع
مع تحسن الإنتاج الزراعي، بدأت الصين تستفيد من فائض العمالة الريفية في إنشاء قاعدة صناعية جديدة. وظهرت مؤسسات صناعية في البلدات والمناطق الريفية، ساعدت على توفير وظائف خارج الزراعة، ووفرت مصدراً جديداً للدخل ورأس المال والخبرة الإنتاجية.
هذه المرحلة كانت مهمة لأنها لم تجعل التصنيع مشروعاً محصوراً في عدد محدود من المدن الكبرى، وإنما ساعدت على انتشاره في مناطق واسعة. ومع نمو المصانع، ظهرت حولها شبكات من الموردين وشركات النقل والخدمات والتخزين، وبدأت تتشكل تدريجياً التجمعات الصناعية التي ستصبح لاحقاً إحدى أهم نقاط القوة الصينية.
وبذلك أخذ الاقتصاد يدخل في دائرة تراكمية: مصنع يولد طلباً على موردين، والموردون يحتاجون إلى مصانع أخرى، والمصانع تحتاج إلى النقل والطاقة والتمويل، وكلما اتسعت هذه الشبكة أصبحت المنطقة أكثر قدرة على جذب استثمارات جديدة.
المناطق الاقتصادية الخاصة.. الصين تفتح نافذة على العالم
كان إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة من أكثر الخطوات تأثيراً في مسار الانفتاح الصيني. وفي عام 1980 أطلقت الصين أربع مناطق اقتصادية خاصة، من بينها شنتشن وتشوهاي وشانتو وشيامن، بهدف تجربة سياسات اقتصادية أكثر انفتاحاً واستقطاب الاستثمار الأجنبي وتشجيع التجارة.
تحولت شنتشن مع مرور السنوات إلى أحد أشهر نماذج التحول الاقتصادي في العالم. وما بدأ كمنطقة تجريبية سرعان ما أصبح مركزاً صناعياً وتكنولوجياً ومالياً ضخماً.
كانت فلسفة المناطق الاقتصادية الخاصة تقوم على فكرة عملية: السماح بدخول رأس المال والخبرة والتكنولوجيا الأجنبية إلى بيئة اقتصادية أكثر مرونة، ثم الاستفادة من وجود الشركات الأجنبية في بناء القدرات المحلية.
ومع مرور الوقت، لم تعد الشركات الدولية تعمل وحدها، بل نشأت حولها شبكة واسعة من الموردين والشركات الصينية التي اكتسبت المعرفة والخبرة وبدأت في إنتاج نسبة متزايدة من المكونات محلياً.
وهنا بدأت تتشكل واحدة من أهم حلقات النموذج الصيني: الاستثمار الأجنبي لم يكن مجرد أموال تدخل البلاد، وإنما أصبح قناة للمعرفة والتكنولوجيا والخبرة الإدارية والوصول إلى الأسواق.

عام 2001.. اللحظة التي دخلت فيها الصين قلب التجارة العالمية
إذا كانت إصلاحات الثمانينيات والتسعينيات قد بنت قاعدة الإنتاج، فإن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في 2001 أعطى هذه القاعدة فرصة هائلة للارتباط بالاقتصاد العالمي.
في 11 ديسمبر/كانون الأول 2001 أصبحت الصين العضو رقم 143 في منظمة التجارة العالمية، بعد نحو 15 عاماً من المفاوضات. وتصف المنظمة انضمام الصين بأنه “حدث محوري” في تاريخ النظام التجاري متعدد الأطراف، مشيرة إلى أن الإصلاحات المرتبطة بالانضمام ساهمت في عملية الاندماج التجاري والنمو والتحديث الاقتصادي.
كان التوقيت مهماً للغاية. فالصين كانت قد بنت بالفعل قاعدة صناعية كبيرة، وعندما أصبحت أكثر اندماجاً في النظام التجاري العالمي، بدأت مصانعها في الوصول إلى أسواق أوسع، بينما أصبحت الشركات العالمية أكثر اعتماداً على الصين كمركز للإنتاج.
وهكذا تسارعت عملية تحولت فيها الصين من دولة تستقبل الشركات الأجنبية إلى مركز أساسي في سلاسل الإنتاج العالمية.
لماذا أصبحت الصين “مصنع العالم”؟
لا يمكن تفسير الصعود الصناعي الصيني اليوم بمجرد القول إن العمالة كانت رخيصة. هذه الميزة كانت مهمة في المراحل الأولى، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير حجم القوة الصناعية التي بنتها الصين.
التحول الحقيقي حدث عندما تراكمت حول المصانع منظومة كاملة من الموردين والمكونات والخدمات اللوجستية والطاقة والتمويل والموانئ والطرق والاتصالات.
في كثير من المناطق الصناعية الصينية، يمكن أن تكون الشركة التي تنتج المنتج النهائي محاطة بشبكة واسعة من الشركات التي تصنع مكوناته، إلى جانب شركات التغليف والنقل والتخزين والخدمات الهندسية. وهذا القرب الجغرافي بين حلقات الإنتاج يخفض التكلفة والوقت ويمنح الشركات قدرة كبيرة على زيادة الإنتاج بسرعة.
ومن هنا أصبحت الميزة الصينية تقوم على مجموعة من العناصر المتراكمة: “الحجم، والإنتاجية، وتكامل سلاسل الإمداد، والبنية التحتية، والخبرة الصناعية، والسوق المحلية الضخمة”.
هذه هي النقطة التي تجعل من الصعب تفسير القدرة التنافسية الصينية اليوم بالعمالة الرخيصة وحدها.
البنية التحتية.. الاستثمار الذي سبق الطفرة الصناعية
لم يكن بناء هذه المنظومة ممكناً من دون توسع ضخم في البنية التحتية. فقد استثمرت الصين على مدى عقود في الطرق والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الكهرباء والمناطق الصناعية والاتصالات.
ولم تكن هذه الاستثمارات منفصلة عن التصنيع؛ فالهدف كان تقليل تكلفة نقل المواد الخام والمكونات والمنتجات، وربط مراكز الإنتاج بالمستهلكين والموانئ والأسواق الخارجية.
وعندما تتوافر الكهرباء والطرق والسكك والموانئ وشبكات الاتصالات إلى جانب المصانع والموردين، تتحول البنية التحتية إلى جزء من الميزة الصناعية نفسها.
ولهذا فإن أحد أسرار النمو الصيني كان أن الدولة لم تنتظر وصول الصناعة ثم تبني البنية التحتية خلفها، بل استثمرت في كثير من الأحيان في البنية التي تسمح للصناعة بالتوسع.
الزراعة.. قوة غذائية إلى جانب القوة الصناعية
ورغم الصورة الشائعة التي تختزل الصين في المصانع والموانئ، فإن الزراعة لا تزال تمثل قطاعاً استراتيجياً في اقتصادها، خصوصاً في ظل عدد سكان يتجاوز 1.4 مليار نسمة.
وبحسب المكتب الوطني للإحصاء الصيني، بلغ إنتاج الحبوب في عام 2025 نحو 714.88 مليون طن، بزيادة 8.38 مليون طن، أو 1.2%، عن عام 2024. وبلغ إنتاج الذرة 301.24 مليون طن، والأرز 209.04 مليون طن، والقمح 140.07 مليون طن، وفول الصويا 20.91 مليون طن.
وتشير البيانات الرسمية أيضاً إلى أن متوسط إنتاجية الهكتار من الحبوب بلغ 5,987 كيلوجراماً تقريباً في 2025، بزيادة 1.1% عن العام السابق. وقد استخدمت الصين خلال السنوات الماضية تحسين البذور والميكنة والري والتقنيات الزراعية ووسائل المسح الحديثة لرفع الإنتاجية.
ويظهر بيان المكتب الوطني للإحصاء أن مسح إنتاج الحبوب نفسه يعتمد، من بين أدوات أخرى، على الاستشعار عن بعد والعينات المكانية وقياس المحاصيل الفعلي.
وهذا مهم لفهم التجربة الصينية؛ فالتحدي لم يكن فقط إنتاج المزيد من الغذاء، وإنما رفع إنتاجية الأرض في بلد ذي عدد سكان ضخم وموارد محدودة نسبياً للفرد.
اقتصاد يتجاوز 140 تريليون يوان
تكشف الأرقام الرسمية الحديثة عن حجم المسافة التي قطعتها الصين منذ بداية الإصلاح.
ففي عام 2025 بلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني 140.1879 تريليون يوان، مسجلاً نمواً حقيقياً قدره 5% مقارنة بالعام السابق. وبلغت القيمة المضافة للقطاع الأول، الذي يشمل الزراعة، 9.3347 تريليون يوان، بينما بلغت القيمة المضافة للقطاع الثاني 49.9653 تريليون يوان، والقطاع الثالث 80.8879 تريليون يوان. وبذلك مثل القطاع الثالث 57.7% من الناتج، والقطاع الثاني 35.6%، والقطاع الأول 6.7%.
وتوضح هذه الأرقام أن الصين لم تعد اقتصاداً زراعياً أو صناعياً فقط؛ فقد أصبحت اقتصاداً متنوعاً تتداخل فيه الصناعة مع الخدمات والتكنولوجيا والتجارة والاستهلاك.
الصناعة.. قلب القوة الاقتصادية
رغم تنامي قطاع الخدمات، تبقى الصناعة إحدى أهم ركائز القوة الصينية.
ففي 2025 بلغت القيمة المضافة للقطاع الصناعي 41.6826 تريليون يوان، بزيادة 5.8% عن العام السابق. وارتفعت القيمة المضافة للمؤسسات الصناعية الكبيرة بنسبة 5.9%، فيما سجلت الصناعة التحويلية نمواً بلغ 6.4%. والأكثر دلالة أن قطاع تصنيع المعدات نما بنسبة 9.2%، بينما نما التصنيع عالي التقنية بنسبة 9.4%، وفق المكتب الوطني للإحصاء.
هذه الأرقام تعكس تغيراً مهماً في طبيعة الصناعة الصينية. فالقوة لم تعد محصورة في المنسوجات والسلع الاستهلاكية البسيطة، وإنما توسعت نحو المعدات والإلكترونيات والصناعات عالية التقنية.
وهنا تظهر إحدى أهم مراحل التحول الصيني: الانتقال من “صنع في الصين” إلى محاولة متزايدة لبناء قدرات “مصممة ومطورة في الصين”.
من العمالة الرخيصة إلى البحث والتطوير
مع ارتفاع الأجور وتغير التركيبة السكانية، لم يعد بإمكان الصين الاعتماد إلى الأبد على وفرة العمالة منخفضة التكلفة. ولذلك أصبح رفع الإنتاجية والتكنولوجيا والابتكار جزءاً متزايداً من استراتيجية النمو.
وتظهر البيانات الرسمية حجم هذا التحول؛ فقد بلغ الإنفاق الصيني على البحث والتطوير في 2025 نحو 3.9262 تريليون يوان، بزيادة 8.1% عن 2024، وهو ما يعادل 2.80% من الناتج المحلي الإجمالي. وبلغ الإنفاق على البحوث الأساسية 277.8 مليار يوان، بزيادة 11.1%. كما بلغ عدد براءات الاختراع الاختراعية السارية في نهاية 2025 نحو 6.318 مليون براءة، بزيادة 11.1% عن نهاية 2024.
وهذه ليست مجرد زيادة في الإنفاق، بل مؤشر على تغير طبيعة الطموح الاقتصادي الصيني. ففي المرحلة الأولى كان الهدف الأساسي هو زيادة القدرة الإنتاجية، بينما أصبح التحدي الآن هو إنتاج سلع أكثر تعقيداً، ورفع القيمة المضافة، وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية في القطاعات الاستراتيجية.
السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة
يمكن رؤية هذا التحول بوضوح في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة.
فالقوة الصينية في هذه المجالات لا تقوم على تجميع المنتج النهائي فقط، وإنما على امتلاك أجزاء واسعة من سلسلة القيمة، بدءاً من المواد والمكونات، مروراً بالبطاريات والإلكترونيات ومعدات التصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي وشبكات التصدير.
وهذه الطريقة في بناء الصناعة تمنح الشركات الصينية ميزة الحجم، لأن وجود سلسلة واسعة من الموردين داخل البلد يجعل تطوير المنتج وزيادة الإنتاج أسرع وأقل تكلفة.
كما أن النمو السريع في تصنيع المعدات والقطاعات عالية التقنية، الذي أظهرته بيانات 2025 الرسمية، يعكس اتجاه الصناعة الصينية نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى.
التجارة.. حين يتحول التصنيع إلى نفوذ اقتصادي
كان الانفتاح التجاري أحد المحركات الأساسية لصعود الصين، ولا تزال التجارة الخارجية عنصراً رئيسياً في اقتصادها.
وفق المكتب الوطني للإحصاء، بلغ إجمالي تجارة السلع الصينية في 2025 نحو 45.47 تريليون يوان، منها 26.99 تريليون يوان صادرات و18.48 تريليون يوان واردات. وارتفعت صادرات السلع بنسبة 6.1%، فيما نمت صادرات المنتجات عالية التقنية بنسبة 13.2%.
وبالدولار، قدرت منظمة التجارة العالمية صادرات الصين من السلع في 2025 بنحو 3.77 تريليون دولار، بزيادة 5.5% بالقيمة و9.2% من حيث الحجم.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم الاعتماد المتبادل الذي نشأ بين الصين وبقية العالم. فالصين أصبحت مركزاً رئيسياً لإنتاج وتصدير مجموعة واسعة من المنتجات، بينما تعتمد صناعات وشركات في دول مختلفة على المكونات والسلع الصينية.
ومن هنا تحولت القوة الصناعية إلى قوة تجارية، وتحولت القوة التجارية بدورها إلى عنصر من عناصر النفوذ الاقتصادي العالمي.
السوق الداخلية.. الميزة التي تضاعف قدرة الشركات الصينية
إلى جانب الأسواق الخارجية، تمتلك الصين ميزة ضخمة تتمثل في حجم سوقها المحلية.
ففي 2025 بلغ عدد سكان الصين نحو 1.405 مليار نسمة في نهاية العام، فيما وصلت نسبة السكان المقيمين في المناطق الحضرية إلى 67.89%. وفي العام نفسه بلغت مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية 50.12 تريليون يوان.
وهذا الحجم يمنح الشركات الصينية مساحة كبيرة لتجربة المنتجات وإنتاجها على نطاق واسع قبل التوسع الخارجي.
فكلما ارتفع حجم الإنتاج، أمكن توزيع تكاليف البحث والتطوير والمصانع والتسويق على عدد أكبر من الوحدات، وانخفضت تكلفة الوحدة، وهو ما يعزز القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ولهذا فإن السوق المحلية ليست مجرد سوق استهلاكية، وإنما جزء من القوة الصناعية نفسها.
الدولة والسوق.. نموذج اقتصادي مختلف
لا يمكن تفسير التجربة الصينية باعتبارها نموذج اقتصاد سوق تقليدي، كما لا يمكن وصفها بأنها استمرار كامل لنظام التخطيط المركزي السابق.
الصين طورت نموذجاً هجيناً يجمع بين الشركات الخاصة والشركات الحكومية، والأسواق والمنافسة، والبنوك والمؤسسات الحكومية، والاستثمار العام، والسياسات الصناعية والتخطيط طويل الأجل.
هذا النموذج منح الدولة قدرة كبيرة على توجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية والصناعة والبحث العلمي، وفي الوقت نفسه سمح للشركات والأسواق بالقيام بدور أساسي في الإنتاج والمنافسة.
واللافت أن الصين لم تطبق الإصلاحات كلها دفعة واحدة؛ بل اتبعت في كثير من المراحل سياسة “التجربة ثم التوسع”، وهو ما ساعدها على تعديل السياسات قبل تعميمها. ويعد البنك الدولي هذا التدرج والتجريب المحلي من السمات المهمة في مسار الإصلاح الصيني.
التحضر.. تحويل القوة السكانية إلى قوة اقتصادية
رافق التصنيع تحول اجتماعي هائل. فقد انتقلت أعداد ضخمة من السكان من المناطق الريفية إلى المدن، ومن الزراعة إلى الصناعة والخدمات.
وبحلول نهاية 2025 بلغ عدد سكان المدن المقيمين نحو 953.8 مليون شخص، وبلغت نسبة التحضر 67.89%، بينما وصل عدد العمال المهاجرين الريفيين إلى نحو 301.15 مليون شخص.
وهذه الأرقام توضح كيف تغيرت بنية الاقتصاد والمجتمع معاً. فالعامل الذي كان يعمل في قطاع زراعي منخفض الإنتاجية نسبياً أصبح جزءاً من سوق العمل الصناعي أو الخدمي، وانتقل إلى مدينة جديدة، وأصبح مستهلكاً ومالكاً لدخل أعلى، وشارك في الوقت نفسه في إنتاج السلع والخدمات التي توسع بها الاقتصاد.
وكان هذا الانتقال من الزراعة إلى الصناعة والخدمات ومن الريف إلى المدن أحد المحركات الأساسية لرفع الإنتاجية والدخل.
800 مليون شخص.. الوجه الاجتماعي للصعود الاقتصادي
لا يمكن قياس نجاح التجربة الصينية بحجم الناتج والصادرات فقط. فواحدة من أكثر نتائجها أهمية كانت الانخفاض الهائل في الفقر.
ويقدر البنك الدولي أن الصين أخرجت ما يقرب من 800 مليون شخص من الفقر المدقع خلال العقود التي أعقبت بدء الإصلاح، وهو ما يمثل أكثر من 75% من الانخفاض العالمي في الفقر المدقع خلال الفترة نفسها وفق تقديرات البنك. كما يشير البنك إلى أن الصين أعلنت القضاء على الفقر المدقع وفق معيارها الوطني بحلول عام 2020.
ولم يكن هذا التحول نتيجة برنامج اجتماعي واحد، بل ارتبط بصورة أساسية بالنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وارتفاع الإنتاجية والتحضر والاستثمار في البنية التحتية والخدمات.
بمعنى آخر، لم يكن النمو الاقتصادي مجرد ارتفاع في الناتج، بل تحول إلى عملية واسعة لإعادة توزيع فرص العمل والدخل من قطاعات منخفضة الإنتاجية إلى قطاعات أكثر إنتاجية.

الصين اليوم.. قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية
بعد نحو خمسة عقود من الإصلاح، أصبحت الصين تمتلك مزيجاً من عناصر القوة لا يتوافر بسهولة في اقتصاد واحد: قاعدة صناعية ضخمة، وسوق محلية هائلة، وشبكة بنية تحتية واسعة، وقدرة تصديرية استثنائية، وسلاسل إمداد متكاملة، واستثمارات ضخمة في البحث والتطوير.
وتكشف أرقام 2025 حجم هذا التحول: اقتصاد يبلغ 140.19 تريليون يوان، وصناعة تبلغ قيمتها المضافة 41.68 تريليون يوان، وإنتاج حبوب يصل إلى 714.88 مليون طن، وصادرات سلع تبلغ نحو 3.77 تريليون دولار وفق منظمة التجارة العالمية، وإنفاق على البحث والتطوير يقترب من 4 تريليونات يوان.
ولهذا أصبح وصف الصين بأنها “مصنع العالم” غير كافٍ لوصف موقعها الحالي. فالصين لا تصنع فقط السلع التي يستهلكها العالم، بل تحاول بصورة متزايدة أن تكون جزءاً من مراحل التصميم والتطوير والتكنولوجيا والابتكار.
لكن القوة الصينية تواجه مرحلة أكثر صعوبة
مع ذلك، فإن قصة الصعود الصيني لا تعني أن الطريق أمام بكين أصبح خالياً من التحديات.
فالنمو الذي تجاوز 9% سنوياً في المتوسط منذ 1978 لم يعد معدلاً يمكن افتراض استمراره إلى الأبد. وقد أصبح الاقتصاد الصيني يواجه مجموعة من الضغوط، من بينها التحولات الديموغرافية، وتراجع عدد السكان، وارتفاع نسبة كبار السن، ومشكلات القطاع العقاري، وضعف الطلب المحلي في بعض الفترات، وتحديات الإنتاجية، إضافة إلى بيئة تجارية وتكنولوجية دولية أكثر تنافسية.
وتكشف البيانات الرسمية أن عدد سكان الصين انخفض في نهاية 2025 بمقدار 3.39 مليون نسمة عن نهاية 2024، بينما بلغ عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر نحو 323.38 مليون شخص، أي 23% من السكان، وبلغ عدد من تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر نحو 223.65 مليون شخص، أي 15.9%.
وهذه الأرقام تفرض على الصين معادلة جديدة: فالقوة العاملة لم تعد تنمو كما كانت في العقود السابقة، ولذلك يصبح رفع إنتاجية العامل والاستثمار في التكنولوجيا أكثر أهمية للحفاظ على النمو.
السؤال الجديد: هل تستطيع الصين الانتقال من “النمو السريع” إلى “النمو عالي الإنتاجية”؟
ربما تكون هذه هي المرحلة الأكثر أهمية في القصة الصينية.
ففي العقود الأولى كان التحدي هو توفير الوظائف وزيادة الإنتاج وبناء المصانع وفتح الأسواق. أما اليوم، فقد أصبحت الصين بحاجة إلى رفع الإنتاجية، وزيادة الاستهلاك المحلي، وتحسين نوعية النمو، وتطوير التكنولوجيا، والتعامل مع مجتمع يتقدم في العمر.
ولهذا يبدو الإنفاق المتزايد على البحث والتطوير مهماً للغاية. فحين تنفق الصين 3.926 تريليون يوان سنوياً على R&D، فإنها لا تحاول فقط الحفاظ على موقعها كمصنع عالمي، وإنما تسعى إلى تغيير طبيعة هذا الموقع.
فالهدف لم يعد مجرد أن يكون المنتج “مصنوعاً في الصين”، وإنما أن تكون التكنولوجيا والمكونات المتقدمة والهندسة والابتكار جزءاً متزايداً من القيمة التي تنتجها الصين.

هل تهيمن الصين على الاقتصاد العالمي؟
من الناحية الصحفية، قد يكون تعبير “الصين تهيمن على العالم” جذاباً، لكنه ليس التعبير الأكثر دقة اقتصادياً.
الصحيح أن الصين أصبحت قطباً اقتصادياً وصناعياً وتجارياً وتكنولوجياً عالمياً، وأنها تمتلك نفوذاً كبيراً في عدد واسع من سلاسل الإمداد العالمية، كما أصبحت ثاني أكبر اقتصاد عالمياً وفق القياس الاسمي للناتج المحلي الإجمالي، وأكبر مصدر للسلع على مستوى العالم وفق بيانات منظمة التجارة العالمية.
لكن هذا لا يعني أن الصين تهيمن على جميع عناصر القوة الاقتصادية العالمية. فالولايات المتحدة لا تزال قوة مالية وتكنولوجية واقتصادية كبرى، كما تحتفظ اقتصادات أخرى بمزايا مهمة في قطاعات محددة.
لذلك فإن التحول الحقيقي الذي أحدثته الصين ليس أنها أصبحت “القوة الوحيدة”، وإنما أنها أعادت توزيع جزء كبير من الوزن الاقتصادي العالمي، وأصبحت طرفاً لا يمكن تجاوزه في الصناعة والتجارة وسلاسل التوريد والتكنولوجيا.
