يدخل الاتحاد الأوروبي فصل الشتاء هذا العام على وقع تحذيرات صريحة من المفوضية الأوروبية، تنذر باحتمالية تحول أزمة ارتفاع أسعار الطاقة الحالية إلى معضلة حقيقية في الإمدادات.
وتأتي هذه المخاوف في ظل هامش أمان محدود لمخزونات الغاز الطبيعي، وسط تقلبات مناخية وجيوسياسية تضع أمن الطاقة الأوروبي على المحك وتدفع العواصم لتسريع وتيرة التحضيرات لتجنب فواتير طاقة فلكية.
في رسالة حديثة موجهة إلى عواصم التكتل، كشف مفوض الطاقة الأوروبي، دان يورغنسن، أن مستويات تخزين الغاز تقبع عند نقطة “منخفضة بشكل استثنائي”.
ويعود هذا التراجع محلياً إلى صيف شديد الحرارة والجفاف، دفع الدول لاستهلاك كميات إضافية من الغاز لتوليد الكهرباء، مما قلص الفائض المتاح لإعادة ملء المخزونات الجوفية. ع
لى الصعيد العالمي، تلقي الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران بظلالها الثقيلة على الأسواق، حيث هوت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز الحيوي إلى ما بين 15% و25% فقط من مستوياتها المعتادة.
وما زاد المشهد تعقيداً، إعلان قطر يوم الاثنين تمديد العمل بحالة “القوة القاهرة” على شحناتها الآسيوية والأوروبية لشهر إضافي، لتؤجل استئناف إمداداتها للسوق الأوروبية حتى شهر ديسمبر المقبل.
آليات التخزين وتدابير المرونة
تعتمد الاستراتيجية الأوروبية على استغلال فترات وفرة الإمدادات وانخفاض الأسعار لملء المنشآت الضخمة تحت الأرض، كالحقول المستنفدة والكهوف الملحية، تمهيداً لضخ الغاز شتاءً في الشبكات لتدفئة المنازل وتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع.
ورغم أن القواعد الصادرة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022 تفرض بلوغ المخزونات نسبة 90% بحلول الأول من نوفمبر، إلا أن الطفرة السعرية الناتجة عن اضطرابات الشرق الأوسط دفعت المفوضية في مارس الماضي إلى منح الدول مرونة استثنائية.
وقد سمح هذا الإجراء بالاكتفاء بمستويات تتراوح بين 75% و80% لتجنب عمليات الشراء بدافع الذعر، وهو ما اعتبره يورغنسن خطوة حيوية لتخفيف الضغط الفوري عن الأسعار وتكاليف إعادة الملء.
وفي السياق ذاته، أُلزمت تسع دول تفتقر لمنشآت التخزين – وهي قبرص وإستونيا وفنلندا واليونان وإيرلندا وليتوانيا ولوكسمبورغ ومالطا وسلوفينيا – بإبرام ترتيبات تضامنية مع جيرانها لضمان تأمين احتياطاتها.
قلق الأسواق وحمى الأسعار
رغم طمأنة يورغنسن بعدم وجود مخاطر فورية تهدد أمن الإمدادات، وتأكيده أن الأزمة الراهنة تختلف جذرياً عن صدمة 2022 التي لم تشهد نقصاً فعلياً أو تقنيناً إلزامياً للمنازل، إلا أن لغة الأرقام تعكس تراجعاً ملموساً. فمتوسط التخزين الأوروبي يبلغ حالياً نحو 70%، مقارنة بـ 94.9% في نوفمبر 2022، وعام انتهى بمخزونات عند 83.4%.
وتُظهر بيانات قطاع الطاقة منتصف سبتمبر أن لاتفيا (47.1%) وهولندا (52.1%) وألمانيا (55.6%) تسجل أدنى نسب الملء.
ورغم هذا الانخفاض، حافظت وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية على موقفها في بيان صدر يوم 21 أغسطس، مستبعدة حدوث أي نقص في الغاز خلال الشتاء.
هذا التراجع في المخزونات انعكس مباشرة وبقوة على مؤشر أسعار الغاز الأوروبي (TTF الهولندي)، الذي قفز من 30-31 يورو لكل ميغاواط ساعة قبل التصعيد في الشرق الأوسط، ليلامس حالياً مستويات 72-74 يورو، بعد أن تجاوز عتبة 89 يورو مطلع سبتمبر.
ويرى المحلل إميل كونستانتينسكو، مؤسس شركة “EnergyRiskIQ”، أن السوق يفرض علاوة سعرية كبيرة تحسباً لمخاطر الإمدادات الخارجية، رغم التحسن الطفيف في الهامش المادي للاحتياطيات.
وستبقى الأنظار معلقة على الثامن من أكتوبر، موعد إصدار التقييم الحاسم لتوقعات الإمدادات الشتوية من قبل رابطة مشغلي أنظمة نقل الغاز في أوروبا (ENTSO-G).
معارضة داخلية وسيناريوهات التشاؤم
تواجه سياسات التخزين الإلزامية تململاً داخل التكتل؛ إذ طالبت وزيرة المناخ الهولندية، ستينتجه فان فِلدهوفِن، بإنهاء هذه الأهداف عندما تنتهي صلاحية القواعد الحالية في عام 2027، واصفة إياها بالعبء غير المنصف على الدول.
وتوافقت معها شركة “Gasunie” الهولندية للبنية التحتية، التي نصحت صناع القرار بالاستعداد لأزمة قد تستمر عدة أشهر في ظل الاعتماد المتزايد على التدفقات الدولية.
ويتمثل السيناريو الأسوأ، وفقاً لمحللي الطاقة، في تزامن شتاء قارس البرودة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز؛ مما سيضاعف أسعار الغاز المسال عالمياً ويجبر أوروبا على خوض منافسة شرسة مع الأسواق الآسيوية للحصول على الغاز الأمريكي.
ويحذر رونالد بينتو، كبير المحللين في “Kpler”، من أن أي نقص في الإمدادات سيضرب قطاع الكهرباء أولاً، لأن الغاز هو المنتج الهامشي الأساسي شتاءً، ما يعني أن أي قفزة في مؤشر TTF ستترجم فوراً إلى فواتير كهرباء مرتفعة، خاصة إذا ترافقت مع درجات حرارة منخفضة وتوليد ضعيف لطاقة الرياح.
وتضرب هذه الأزمة دول الاتحاد الأوروبي في توقيت استنزفت فيه مسبقاً أدوات الدعم المالي والتخفيضات الضريبية التي أُقرت لامتصاص الصدمات السعرية السابقة.
وأمام هذا الواقع والضغوط المالية الداخلية، تبرز تحركات لدفع المفوضية نحو تنسيق عمليات الشراء المشتركة للغاز مجدداً لضمان أسعار أقل وتوزيع أفضل، وهي آلية دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بروكسل مؤخراً إلى إعادة تفعيلها.
