قال المسؤول الفرنسي السابق في ملف مكافحة التطرف، كريستيان غرافيل، إن التحركات الجارية في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية تعكس تغيراً جوهرياً في طريقة التعامل مع شبكات الإخوان المسلمين، بعد سنوات ركزت فيها السلطات على مراقبة الأفراد والجمعيات كل على حدة.
وأوضح غرافيل، في حوار خاص مع “إرم نيوز”، أن التحدي الحالي يتمثل في ربط التمويل والجمعيات والمؤسسات المحلية والعلاقات العابرة للحدود ضمن صورة واحدة، معتبراً أن العقوبات والتصنيفات الأمريكية يمكن أن تزيد الضغط على أوروبا لتطوير أدوات أكثر تنسيقاً.
وأشار إلى أن أثر هذه الإجراءات لن يتوقف عند القارة الأوروبية، خصوصاً في دول النزاعات مثل السودان واليمن، حيث تستفيد شبكات الإسلام السياسي من ضعف المؤسسات وتعدد قنوات التمويل والاقتصاد غير الرسمي، ما يجعل تتبع الأموال والوسطاء والواجهات جزءاً أساسياً من أي سياسة فعالة لمواجهتها.
وشغل غرافيل عدداً من المواقع داخل الإدارة الفرنسية، حيث تولى الأمانة العامة للجنة الوزارية للوقاية من الجريمة والتطرف التابعة لوزارة الداخلية، وعمل سابقاً في الأمانة العامة للوزارة ضمن ملفات الدفاع والأمن.
تفكيك البنية المالية والتنظيمية
دفعت فرنسا، خلال الأشهر الأخيرة، نحو تشديد أدوات مواجهة شبكات الإسلام السياسي ومراقبة الجمعيات والتمويل، فهل اقتربت باريس فعلياً من الانتقال من مراقبة نفوذ الإخوان إلى تفكيك البنية المالية والتنظيمية المرتبطة بهم؟
يجيب غرافيل: “ما تغير خلال الفترة الأخيرة هو زيادة الاهتمام بالعلاقات التي تربط هذه المؤسسات ببعضها، وبمصادر التمويل، وبالشخصيات التي تنتقل بين أكثر من كيان، وبالصلات الموجودة خارج فرنسا”.
ويلفت إلى أن هذه نقطة مهمة لأن الجماعات المتأثرة بفكر الإخوان لا تعتمد بالضرورة على هيكل تنظيمي ظاهر يمكن للدولة التعامل معه بسهولة، وإنما تستطيع العمل من خلال مؤسسات قانونية متعددة تبدو منفصلة إذا جرى فحص كل واحدة منها بمفردها.
ويضيف: “المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة السلطات على تحويل المعلومات المتفرقة إلى ملفات قابلة للاستخدام قضائياً ومالياً. ومراقبة النفوذ وحدها لا تكفي، وإذا ثبت أن أموالاً أو مؤسسات أو أفراداً يعملون ضمن شبكة منظمة تخالف القانون، يجب أن تمتلك الدولة الأدوات التي تسمح لها بتجميد الأموال، ووقف التمويل العام، ومراجعة الوضع القانوني للجمعيات، والتحقيق في الروابط الخارجية”.
نحو سياسة أوروبية مشتركة
تتزايد في أوروبا التحركات ضد شبكات الإخوان، من مراجعة التمويل والجمعيات إلى مطالب بتشديد التنسيق الاستخباراتي والقانوني، فهل نحن أمام بداية سياسة أوروبية مشتركة تجاه الجماعة؟ وما الذي يمكن أن يتغير إذا انتقلت هذه التحركات من المستوى الوطني إلى مستوى الاتحاد الأوروبي؟
يرى غرافيل أن أوروبا “لم تصل بعد إلى سياسة موحدة، لكن الاتجاه أصبح أكثر وضوحاً”، موضحاً أن الدول الأوروبية تنظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة؛ ففرنسا تركز كثيراً على الاختراق داخل المؤسسات والمجتمع، وألمانيا تملك تقاليد قوية في متابعة التنظيمات من خلال أجهزة حماية الدستور، ودول أخرى تركز أكثر على التمويل الخارجي أو الجمعيات.
ويحذر من أن “ضعف التنسيق يمنح الشبكات فرصة للاستفادة من الاختلاف بين القوانين الوطنية، وإذا أصبحت القيود أشد في دولة، يمكن تحويل جزء من النشاط أو التمويل إلى دولة أخرى ثم المحافظة على العلاقات عبر الحدود”.
ويؤكد أن “القيمة الحقيقية لأي تحرك أوروبي ستكون في تبادل المعلومات وتوحيد معايير فحص التمويل والجمعيات ومعرفة المستفيدين الحقيقيين من الأموال”.
ويضيف: “إذا وصل الاتحاد الأوروبي إلى مستوى أوسع من التنسيق، فستصبح حركة الأموال والأفراد أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشبكات التي تعتمد على العمل في عدة دول في الوقت نفسه. كما أن أي عقوبات أوروبية مشتركة سيكون تأثيرها أكبر بكثير من إجراء وطني منفرد، لأن السوق الأوروبية والنظام المصرفي وحركة الأموال مترابطة”.
الضغط الأمريكي وأثره على الموقف الأوروبي
وسعت الولايات المتحدة خلال العام الجاري العقوبات والتصنيفات المرتبطة بفروع وشخصيات من الإخوان، فإلى أي مدى يمكن أن تدفع هذه الخطوات الدول الأوروبية إلى تشديد ملاحقة الشبكات المالية والتنظيمية المرتبطة بالجماعة داخل القارة وخارجها؟
يشير غرافيل إلى أن “التأثير الأمريكي مهم لأن العقوبات الأمريكية لا تتوقف عند الشخص أو المؤسسة المدرجة على القائمة”، موضحاً أن النظام المالي الأمريكي يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في البنوك والشركات والمؤسسات التي تتعامل مع الجهة المستهدفة، لذلك فإن أي تصنيف جديد يدفع المؤسسات المالية في دول أخرى إلى إعادة تقييم مخاطر التعامل مع الأسماء المرتبطة به.
ويستدرك: “هذا لا يعني أن أوروبا ستتبنى تلقائياً جميع التصنيفات الأمريكية، فالقوانين مختلفة، كما أن المعايير المطلوبة لاتخاذ إجراءات قضائية أو مالية تختلف من دولة إلى أخرى، لكن المعلومات التي تنتجها التحقيقات الأمريكية يمكن أن تفتح ملفات جديدة داخل أوروبا، خصوصاً عندما تكشف التحويلات أو الوسطاء أو الشركات أو الجمعيات الموجودة على الأراضي الأوروبية”.
دول النزاعات وبيئات الحرب
في السودان واليمن تعمل شبكات الإسلام السياسي داخل بيئات حرب تتداخل فيها السياسة والتمويل والعمل الإغاثي والتشكيلات المسلحة، فكيف يمكن للتحركات الأمريكية والأوروبية الحالية أن تضيق قدرة هذه الشبكات على استخدام دول النزاع لإعادة بناء التمويل والنفوذ؟
يؤكد غرافيل أن “دول النزاع تمثل تحدياً مختلفاً تماماً، فعندما تكون مؤسسات الدولة ضعيفة وتنتشر الاقتصادات غير الرسمية وتتحرك الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي، تصبح أدوات الرقابة التي تعمل في باريس أو برلين أقل فاعلية على الأرض”.
ويضيف: “في السودان مثلاً، أصبح الملف أكثر وضوحاً بعد الإجراءات الأمريكية المتعلقة بالحركة الإسلامية السودانية والكيانات المسلحة المرتبطة بها.. هذا يرفع كلفة التعامل المالي معها، لكنه لا يعني أن الشبكات ستتوقف عن العمل، بل ستبحث عادة عن وسطاء جدد وشركات واجهة وتحويلات غير مباشرة وعلاقات تجارية تستطيع من خلالها الالتفاف على القيود. لهذا، فإن العقوبات يجب أن تستهدف البيئة التي تسمح للشبكة بالبقاء، وليس القيادة وحدها”.
ويلفت إلى أن “تتبع الشركات والمستفيدين الحقيقيين والوسطاء الماليين وشبكات التجارة الخارجية أكثر أهمية أحياناً من إضافة أسماء سياسية جديدة إلى قوائم العقوبات”.
وعن اليمن، يقول غرافيل: “توجد صعوبة إضافية بسبب تعدد السلطات والفاعلين المسلحين والانقسام المؤسسي، فأي شبكة سياسية أو مالية مرتبطة بتيار إسلاموي تستطيع الاستفادة من هذه البيئة إذا لم توجد رقابة على الأموال والموانئ والشركات والتحويلات والعمل الإغاثي”.
ويشدد على أن “المطلوب هو منع توظيف المساعدات الإنسانية والاقتصاد المحلي في تمويل بنى سياسية أو عسكرية، مع المحافظة في الوقت نفسه على وصول المساعدات إلى المدنيين”.
استهداف الشركات والوسطاء والواجهات
إذا اتسع التنسيق الغربي ضد شبكات الإخوان، فهل نتوقع انتقالاً من ملاحقة القيادات والكيانات المعروفة إلى استهداف الشركات والوسطاء وشبكات التحويل والواجهات المرتبطة بها في السودان واليمن ودول عربية أخرى؟
يجيب غرافيل: “أعتقد أن هذا هو الاتجاه الأكثر منطقية، لأن تجربة العقوبات خلال السنوات الماضية أظهرت أن استهداف القيادات وحدها يعطي نتائج محدودة”.
ويضيف: “الشبكات التي تعمل منذ فترة طويلة تتعلم كيفية التكيف، وتنقل الأموال والمهام إلى أشخاص أقل شهرة أو شركات جديدة. وفي دول الحرب، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية، لأن المال السياسي يمكن أن يختلط بالاقتصاد العسكري والإغاثة والتجارة الحدودية”.
ويلفت إلى أن “السودان مثال واضح على حجم التعقيد الذي يمكن أن تصل إليه هذه العلاقات، واليمن يملك بدوره بيئة تجعل الفصل بين النشاط السياسي والاقتصادي والمسلح أكثر صعوبة”.
ويخلص غرافيل إلى أن “الضغط الأكثر تأثيراً ليس هو الذي يمنع شخصية واحدة من السفر، وإنما الذي يجعل الاحتفاظ بالشبكة وتمويلها وتشغيلها أكثر كلفة وصعوبة في أكثر من دولة في الوقت نفسه”، مؤكداً أنه “إذا نجحت الولايات المتحدة وأوروبا في بناء تعاون أوسع حول المعلومات المالية والمستفيدين الحقيقيين وحركة الشركات والتحويلات، فستضيق الخيارات أمام شبكات الإخوان بدرجة أكبر من العقوبات الفردية”.
