لم تبدأ صلات الإمارات وهولندا مع افتتاح السفارات، بل سبقتها مراحل طويلة من التواصل التجاري والاقتصادي.
وتعود جذور العلاقة، وفق وزارة الخارجية الإماراتية، إلى قرون مضت، عندما مرت السفن الهولندية بسواحل الإمارات في طريقها إلى الهند وجنوب شرق آسيا، واتخذت منها نقاطاً للتزود بالمؤن، قبل أن تتطور تلك الاتصالات إلى علاقات تجارية مع موانئ المنطقة.
أما العلاقة الحديثة بين البلدين، فتعود إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأت شركة “شل” توقيع عقود للتنقيب عن النفط في أبوظبي، في مرحلة كانت الإمارة تشهد فيها بدايات التحول الذي سيقود لاحقاً إلى بناء اقتصادها الحديث.
النفط كان بوابة العلاقة الحديثة
وكان دخول “شل” إلى أبوظبي جزءاً من مرحلة اقتصادية مفصلية في تاريخ الإمارة. ففي تلك الفترة كان النفط يفتح الطريق أمام أبوظبي للاندماج في الاقتصاد العالمي، وكانت الشركات الأجنبية تمثل قناة لنقل الخبرة والتكنولوجيا والاستثمار إلى قطاع لم يكن قد تشكل بعد بصورته الحديثة.
وتصف وزارة الخارجية الإماراتية مرحلة الخمسينيات بأنها نقطة انطلاق التاريخ المعاصر للعلاقات الإماراتية الهولندية، مشيرة إلى أن التعاون استمر بعد تأسيس دولة الإمارات، وترافق مع زيادة حركة التجارة ودخول البلدين في مشاريع اقتصادية واستثمارية.
ولم يبق الحضور الهولندي محصوراً في شركة أو قطاع واحد. فبحسب السفارة الإماراتية في لاهاي، كانت “Royal Dutch Shell” و”FrieslandCampina”، من خلال علامة “Rainbow”، موجودتين في أبوظبي منذ 60 عاماً أو أكثر، أي قبل افتتاح هولندا أول سفارة لها في الإمارات عام 1977.
وتصف السفارة التجارة بأنها كانت “المحرك الرئيسي” للعلاقة الناجحة والممتدة بين البلدين، وهو ما يوضح أن المصالح الاقتصادية كانت أحد المسارات الأولى التي راكمت من خلالها أبوظبي وهولندا معرفة متبادلة ومصالح مشتركة قبل اتساع الإطار الرسمي للعلاقة.
من المصالح التجارية إلى العلاقة الرسمية
ومع تأسيس دولة الإمارات عام 1971، دخلت العلاقة مع هولندا مرحلة جديدة. فقد كانت هناك بالفعل مصالح اقتصادية وشركات وخبرات تراكمت في أبوظبي قبل قيام الاتحاد، ثم بدأت هذه المصالح تأخذ إطاراً رسمياً على مستوى الدول.
وتشير وزارة الخارجية الإماراتية إلى أن العلاقات الدبلوماسية بدأت عام 1972، عندما عينت هولندا أول سفير غير مقيم لدى الإمارات في 24 مايو من ذلك العام، فيما عينت الإمارات أول سفير غير مقيم لدى هولندا عام 1973. وافتتحت هولندا سفارتها في أبوظبي عام 1977، قبل أن تعين أول سفير مقيم لها عام 1987.
وبذلك جاء التمثيل الدبلوماسي في مرحلة كانت العلاقات الاقتصادية فيها قد بدأت بالفعل، لتنتقل العلاقة من اتصالات ومصالح تجارية إلى قنوات رسمية منتظمة بين الحكومتين.
الشركات الهولندية في مشروعات غيّرت شكل الإمارات
مع توسع الاقتصاد الإماراتي، اتسع الدور الذي تؤديه الشركات الهولندية. ولم يعد الحضور مقتصراً على قطاعات النفط والغذاء، بل امتد إلى مشروعات البنية التحتية والهندسة والموانئ والجزر.
وتورد وزارة الخارجية الإماراتية عدداً من الأمثلة على هذا الحضور. فقد شاركت شركة “Van Oord” الهولندية في إنشاء جزيرة النخلة في دبي، فيما شاركت “Boskalis” في أعمال ميناء خليفة في أبوظبي. كما تولت “BAM International” بناء استاد هزاع بن زايد في العين، وأجرت شركة “FUGRO” أبحاثاً جيوتقنية للتربة مرتبطة ببرج خليفة.
وتعكس هذه المشروعات تحول العلاقة الاقتصادية من مجرد وجود شركات أجنبية في السوق الإماراتية إلى مشاركة شركات هولندية في مشروعات مرتبطة بالبنية التحتية والتوسع العمراني والموانئ والهندسة المتخصصة.
وتقول وزارة الخارجية الإماراتية إن أكثر من 250 شركة هولندية تعمل في الإمارات، في قطاعات تشمل النفط والغاز والزراعة والطيران والبنية التحتية والتجريف. وفي المقابل، توجد استثمارات وشركات إماراتية في هولندا في قطاعات من بينها الطاقة والموانئ والطيران.
هولندا في حسابات التنويع الاقتصادي الإماراتي
ومع تغير الاقتصاد الإماراتي، تغيرت أيضاً طبيعة المجالات التي تجمع البلدين. فالعلاقة لم تعد تدور حول النفط والتجارة التقليدية فقط، وإنما اتجهت نحو قطاعات ترتبط بأولويات الإمارات في التنويع الاقتصادي والاستدامة.
وتحدد وزارة الخارجية الإماراتية مجموعة من المجالات التي ترى فيها فرصاً للتعاون مع هولندا، من بينها “كفاءة الطاقة، والطاقة المستدامة، والزراعة المستدامة، وإدارة المياه وإعادة استخدام النفايات”.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة بالنسبة للإمارات في ظل الحاجة إلى تطوير حلول أكثر كفاءة للمياه والغذاء والطاقة، في وقت تمتلك فيه هولندا خبرات متقدمة في الزراعة والتكنولوجيا الغذائية وإدارة المياه والهندسة البحرية.
ومن الجانب الهولندي، تضع السفارة في أبوظبي قطاعات المياه والطاقة والزراعة والغذاء واللوجستيات والطيران ضمن المجالات الرئيسية للتعاون مع الإمارات، وتشير إلى أن هولندا تمتلك تقنيات وخبرات يمكن تطبيقها في السوق الإماراتية.
من الطاقة التقليدية إلى الهيدروجين
وأحد أبرز الأمثلة على انتقال العلاقة إلى ملفات جديدة هو التعاون في مجال الهيدروجين.
ففي عام 2022 وقعت الإمارات وهولندا مذكرة تفاهم للتعاون في مجال طاقة الهيدروجين، شملت إنتاج الهيدروجين النظيف ونقله واستخدامه، إلى جانب بحث تطوير البنية التحتية وممرات التصدير والاستيراد بين البلدين.
ويجمع هذا الملف بين قدرات البلدين المختلفة؛ فالإمارات تعمل على تطوير إنتاج الطاقة النظيفة وتوسيع صادراتها، بينما تمتلك هولندا بنية تحتية وموانئ وشبكات تجارية تجعلها نقطة مهمة للوصول إلى الأسواق الأوروبية.
المياه والغذاء والطاقة.. ملفات تتقدم في العلاقة
برزت المياه والأمن الغذائي والطاقة بصورة متزايدة في أجندة التعاون الإماراتي الهولندي.
وشارك البلدان في مبادرات تناولت الترابط بين المياه والغذاء والطاقة، وهي ملفات ذات أهمية خاصة للإمارات بسبب طبيعة مواردها المائية والبيئية، وفي الوقت نفسه تمثل مجالات تمتلك فيها هولندا خبرة تقنية وبحثية واسعة.
كما امتد التعاون إلى التكنولوجيا الزراعية والأمن الغذائي، مع تركيز على تبادل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير حلول للإنتاج الزراعي في البيئات التي تواجه تحديات مائية ومناخية.
العلاقة اليوم تتجاوز الاقتصاد
ولم تعد العلاقة الإماراتية الهولندية تدار من خلال الملفات التجارية وحدها. ففي أبريل 2025 عقد البلدان الجولة الرابعة من مشاوراتهما السياسية في لاهاي، وبحثا التعاون في الاقتصاد والتكنولوجيا المتقدمة والتحول الرقمي والمياه والطاقة المتجددة والأمن الغذائي، إلى جانب تطورات الشرق الأوسط وأوروبا والقضايا الدولية.
وخلال تلك المشاورات، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية أن التجارة الثنائية غير النفطية سجلت نمواً بأكثر من 20% خلال عام 2023، فيما بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الثنائية نحو 1.07 مليار دولار.
ويكشف جدول أعمال المشاورات عن اتساع نطاق العلاقة؛ فإلى جانب التجارة والاستثمار، أصبح البلدان يناقشان التكنولوجيا والتحول الرقمي والطاقة والمياه والأمن الغذائي، فضلاً عن القضايا السياسية والأمنية ذات الاهتمام المشترك.
كيف ترى الإمارات هولندا اليوم؟
في الخطاب الرسمي الإماراتي، لم تعد هولندا تُطرح باعتبارها شريكاً تجارياً أوروبياً فقط، وإنما باعتبارها دولة تمتلك خبرات يمكن توظيفها في عدد من القطاعات التي تتصدر أجندة التنمية الإماراتية.
ويظهر ذلك في التركيز الإماراتي على المياه والطاقة والاستدامة والأمن الغذائي والتكنولوجيا في الاتصالات الرسمية الأخيرة مع الجانب الهولندي.
وفي مايو 2026، ركزت زيارة مساعد وزير الخارجية الإماراتي لشؤون الطاقة والاستدامة إلى هولندا على التجارة والطاقة والمياه والتكيف المناخي والقطاعات الاستراتيجية، إلى جانب التعاون في مجال استدامة المياه.
وأعلنت وزارة الخارجية الإماراتية خلال الزيارة أن التجارة غير النفطية بين البلدين ارتفعت 6.82% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024.
كما شهدت الزيارة تعاوناً بين أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية ومعهد IHE Delft للتعليم المائي، بهدف تعزيز التعاون في التعليم والتدريب والبحث والابتكار وتبادل المعرفة في مجال الدبلوماسية المائية.
الشراكة تمتد إلى السياسة والطاقة والأمن
التطور في العلاقة لا يقتصر على الاقتصاد والقطاعات التنموية. ففي أبريل 2026، بحث الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان مع وزير الخارجية الهولندي العلاقات الثنائية وسبل توسيع التعاون، إلى جانب قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي وأمن الملاحة وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي.
كما أكد البيان الإماراتي الهولندي المشترك بمناسبة مرور 50 عاماً على العلاقات الدبلوماسية رغبة البلدين في تعميق التعاون في الاقتصاد والتجارة وأمن الطاقة والأمن الغذائي والعمل المناخي، بالتوازي مع التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة وغسل الأموال والقضايا الإقليمية والدولية.
ومن الجانب الهولندي، تصف الحكومة العلاقة الاقتصادية مع الإمارات بأنها “مكثفة وطويلة الأمد”، وترى في الإمارات شريكاً مهماً في استراتيجية الطاقة الهولندية، بما في ذلك مستقبل الهيدروجين الأخضر، بينما تقدم هولندا خبراتها في مجالات مثل الأمن الغذائي والتكنولوجيا الزراعية.
وفي الوقت نفسه، تتوسع أجندة التعاون إلى ملفات مثل المياه والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة، بالتوازي مع استمرار الحوار السياسي بين البلدين حول التطورات الإقليمية والدولية.