يُمنع المسؤولون الحكوميون في الصين رسمياً من دخول مطعم “كينغز جوي” (King’s Joy) الفاخر في بكين، رغم كونه الوجهة الأبرز للمطبخ النباتي الراقي عالمياً.
ويأتي هذا الحظر، الذي بدأ تطبيقه منذ العام الماضي بناءً على أوامر حكومية غير معلنة التفاصيل، ليضع أحد أشهر المطاعم في العاصمة الصينية ضمن قائمة سوداء تضم عشرات المؤسسات المحظورة على موظفي الدولة، في خطوة تُفسر على أنها امتداد لحملة مكافحة الفساد التي يقودها الرئيس شي جين بينغ ضد الولائم الفاخرة والإسراف المالي.
ويقع المطعم خلف حراسة مشددة في ممر حجري ضيق بجوار معبد “لاما” التاريخي، ليفتح على فناء داخلي ساحر يشبه ملاذات الأباطرة القدماء، حيث الضباب المتسلل والجدران البيضاء التي تحجب صخب الشوارع القديمة.
ورغم أن المكان مخصص للمناسبات الخاصة واستقبال الشخصيات المهمة، ويحظى بإقبال هائل من الأثرياء والمشاهير والطبقة المتوسطة الصاعدة، إلا أن الباب يبقى مغلقاً أمام المسؤولين الحكوميين حتى لو دفعوا الثمن من جيوبهم الخاصة، في إجراء استثنائي يثير التساؤلات حول دوافعه الحقيقية.
ثلاث نجوم ميشلان ودراسة حالة في هارفارد
يتميز “كينغز جوي”، الذي يعكس اسمه الإرث الثقافي لبكين عاصمة السلالات الإمبراطورية الأربع، بأنه المطعم الصيني الوحيد الحاصل على ثلاث نجوم دليل “ميشلان” بالإضافة إلى “النجمة الخضراء” للاستدامة البيئية.
ووقد وصفته قائمة أفضل 50 مطعماً في العالم بـ”المعيار العالمي للمطاعم النباتية”، لدرجة أن إدارة المطعم تحولت إلى دراسة حالة في كلية هارفارد للأعمال عام 2019.
ويقدم المطعم تجربة طعام نباتية بالكامل تعتمد على مكونات صينية محلية تُعد بتقنيات بسيطة وتُقدم بأسلوب أنيق وسط أجواء كلاسيكية هادئة، مع أرضية رخامية سوداء تشبه البحيرة وعزف للقيثارة وإضاءة شموعية ليلية.
التكلفة الباهظة وصراع القيم الأخلاقية
ويُرجح أن يكون السبب الرئيسي للحظر هو التكلفة المرتفعة للوجبات التي تبدأ من 250 دولاراً للفرد، وهو مبلغ يتجاوز بكثير متوسط راتب الموظف الحكومي في بكين البالغ نحو 1,600 دولار شهرياً، مما يثير شكوكاً حول مصادر تمويل هذه الولائم واحتمالية تورطها في الرشوة أو إساءة استخدام الأموال العامة.
وتتوافق هذه الخطوة مع حملة الرئيس شي جين بينغ المستمرة منذ سنوات لاستئصال الممارسات التي تؤدي إلى التدهور الأخلاقي داخل الحزب الشيوعي، معتبراً أن الإفراط في الطعام والشراب الفاخر يمثل تهديداً للنزاهة السياسية، حتى لو كان المطعم يساهم في تعزيز النفوذ الناعم للصين عبر الترويج لمطبخها النباتي المتطور.
موقع استراتيجي ورؤية نباتية ثورية
يقع المطعم في قلب بكين الإمبراطورية على بعد أربعة أميال من المدينة المحرمة ومجاوراً للعديد من الوزارات والسفارات، وهو موقع اختاره المؤسس ديفيد ين عمداً للتأثير في صناع القرار وتشجيع ثقافة الاستدامة الغذائية.
وتأسس المطعم عام 2010 بواسطة عائلة عادت من تايوان وكندا، مقدّماً قائمة طعام تتغير كل أسبوعين وفق التقويم الصيني التقليدي ذي الفترات الشمسية الـ24، وتضم أطباقاً مبتكرة مثل أرز منشوريا بالكمأة السوداء وحساء لب الخيزران.
ويستقبل المكان شخصيات عالمية بارزة مثل روبرت مردوخ وقادة أجانب، محولاً الطعام النباتي من ممارسة بوذية تقليدية إلى تجربة فاخرة وعصرية.
جدل الأسعار وتحول نمط الحياة
رغم النجاح الكبير، يثير ارتفاع أسعار الأطباق النباتية جدلاً في أوساط الخبراء؛ حيث ترى الكاتبة البريطانية المتخصصة في المطبخ الصيني فوشيا دنلوب أن مطالبة الناس بدفع مبالغ طائلة مقابل مكونات نباتية يعد أمراً “غير معقول”، لكنها تعترف بأن الخطوة جريئة لنقل الطعام النباتي من الإطار الديني إلى كونه خيار أسلوب حياة عصري.
ومع تعريف نحو 4% فقط من الصينيين أنفسهم كنباتيين وفقاً لدراسة 2024، وإدراج الإرشادات الغذائية الرسمية لنصائح خاصة بهم منذ 2016، يمثل المطعم نموذجاً لقدرة الخضار على أن تكون محور التجربة الغذائية بدلاً من مجرد خيار ثانوي، حتى لو بقي تذوق هذا النموذج محرماً على فئة المسؤولين الحكوميين.
